تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

ما حقيقة الدور السعودي الإماراتي في شرق الفرات؟

في الوقت الذي أُعلِن فيه تسريع تنفيذ “اتفاق منبج”، بموجب محادثات بين المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية جيمس جيفري ومسؤولين أتراك، بداية كانون الأول/ ديسمبر 2018، باشرت (قوات سوريا الديمقراطية/ قسد) نشر ما أسمته “قوات حرس الحدود” في المناطق المتاخمة لمناطق فصائل المعارضة، على الضفة الشرقية لنهر الفرات.

سيكتمل تمركز القوات على المدى القريب مع عتاد عسكري ثقيل ومتوسط، في بلدة الشيوخ تحتاني والشيوخ فوقاني على بعد 135 كم شرق مدينة حلب، وفي تلّ الناصرية التابع لناحية عين عيسى في منطقة تل أبيض، وقرية زور مغار المقابلة لمدينة جرابلس (بينهما نهر الفرات)، تنفيذًا للخطة الأميركية التي أفصح عنها جيفري، بتدريب قوات مشتركة بخليط مكون عربي، قوامه 30 إلى 40 ألف مقاتل.

اللافت أن قرار نشر القوات جاء بعد أسبوعين من زيارة وفد قوات التحالف الدولي لمدينة عين العرب (كوباني) برفقة قوات سعودية – إماراتية، كانت صحيفة (يني شفيق) قد أعلنت عنها في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، منبهةً إلى تواجد سعودي – إماراتي دائم في شرق الفرات، تحت غطاء من الولايات المتحدة. غير أن السفارة السعودية نفت صحة الخبر، مؤكدة عدم وجود قوات لها في المنطقة، لكن مصادر ميدانية (من داخل مدينة منبج) أكدت وصول وفد سعودي إماراتي، يوم 23 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، إلى مدينة منبج، اجتمع مع قادة المجلس العسكري التابع لـ (قوات سوريا الديمقراطية/ قسد) بهدف التباحث عن إمكانية إنشاء منطقة عازلة بين قوات (قسد) والأتراك، عقب ذلك بأيام تم إنشاء أولى نقاط المراقبة الأميركية، في منطقة تل أبيض التابعة إداريًا لمحافظة الرقة. الجدير ذكره أن كل تلك التطورات جاءت على خلفية التهديدات التركية الأخيرة بشن عمليات عسكرية في شرق الفرات، بهدف إزالة تهديد المنظمات الإرهابية حفاظًا على الأمن القومي التركي.

على الرغم من تضارب التقارير عن حقيقة التواجد السعودي – الإماراتي في شرق الفرات، فإن التطورات الأخيرة تُوحي بدور خليجي فاعل تحت غطاء التحالف الدولي، وقد يكون سبب النفي السعودي نابعًا عن عدم رغبة السعودية في استفزاز تركيا في الوقت الحالي، لا سيّما أنها حاولت استجداءها بخصوص قضية اغتيال الصحفي جمال خاشقجي. ومن جانب آخر بات من المعروف أن المملكة العربية السعودية كانت قد أعطت وعدًا لأميركا بمساهمتها في تحقيق استقرار بمنطقة النفوذ الأميركي شرق سورية، وقدمت على إثرها 100 مليون دولار، لإعادة الإعمار وتنفيذ مشاريع إنسانية وخدمية.

يُضاف إلى ذلك اهتمام سعودي متصاعد في منطقة شرق الفرات، لكسر الهلال الشيعي الإيراني، حيث تسعى إيران لوصل الخط البري، من طهران إلى الضاحية الجنوبية في لبنان، مرورًا بسورية، ولأن السعودية داخلة في حرب وجودية مع إيران، فهي تسعى مع الولايات المتحدة لمواجهة إيران في كامل مناطق النفوذ الإيراني، لا سيّما في اليمن التي تُشكل مدخل التهديدات للعمق السعودي، وفي العراق الذي يُعد البوابة المستقبلية والمنطقة المتنازع عليها بين السعودية وقطر، ومن شأن أي تحوّل لإيران مستقبلًا تهيئة البديل اللازم للأسواق العراقية المستباحة إيرانيًا، عند هذا المنعطف تتنافس السعودية وقطر في وضع البديل لتعبئة الفراغ الاقتصادي، سواء بما يتعلق بالمنتجات الأساسية أو النفط والغاز والكهرباء.

ثمة هدف خفي كامن وراء رغبة السعودية والإمارات في التواجد شرق سورية، على حساب إقصاء إيران، باتجاهين اثنين: الأول الصراع الخفي على زعامة المنطقة الإسلامية بين السعودية وتركيا وإيران؛ والثاني هدف اقتصادي، ويعتبر الأهم على صعيد مستقبل سورية خصوصًا ومنطقة الشرق الأوسط بالعموم، وهو ما يتم تداوله وراء الكواليس عن رسمٍ جديدٍ وتعديلٍ لاتفاقات أنابيب الغاز بمشروعين، توقفا عن التنفيذ بفعل تغيير موازين القوى لمسار الحرب في سورية: مشروع أنابيب الغاز القطرية في 2009 الذي وضعت كل من تركيا وقطر والسعودية حجر الأساس له بمد أنبوب الغاز القطري، عبر أراضي كل من السعودية والأردن وسورية وصولًا إلى تركيا وأوروبا، لكن المشروع توقف بعد معارضة نظام الأسد تنفيذ المشروع نزولًا عند رغبة روسيا، والمشروع البديل الذي وقّع في العام 2011، ويقضي بمد أنبوب يصل بحقول الغاز الإيرانية، ويمرّ عبر الأراضي العراقية والسورية عبر مياه المتوسط وصولًا إلى أوروبا، لكن المشروع تعطل بسبب العمليات العسكرية في سورية. إزاء الصراع في المشروعين السابقين، حدث فرز للتحالفات بين محور النظام إيران روسيا، والمحور السعودي القطري التركي.

وبالنظر إلى سورية، على اعتبار أن هناك رسمًا جديدًا لأنابيب الغاز من شرق الفرات، يدفع كلًا من السعودية والإمارات نحو إيجاد موطئ قدَم في تلك المنطقة، بهدف تغيير مجرى خط الأنابيب، إما بالتفاهم مع قطر وإحداث شراكة لتنفيذ مشروع 2009، أو إنشاء خط جديد تضمن من خلاله السعودية بسط سيطرتها عليه في شرق الفرات؛ يبدو أن من المبكر التكهن بنتيجة حسم الأهداف الاقتصادية، على وقع التغيرات المتسارعة في المنطقة وتداخل المصالح وتضاربها، لا سيّما أن دراسة صادرة عن مركز بحوث أميركي أنذرت باشتعال حروب دموية مطلع 2019.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق