تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

من رزان زيتونة إلى رائد الفارس

مرّت على الثورة السورية أحداث استثنائية، كانت بمثابة مؤشرات، عكست دلالات عميقة لحقيقة مساراتها، واستشرفت عِلل انحرافها، وجرى ذلك، عبر ماهية تلك الأحداث من جهة، ومن خلال تعاملنا معها (نحن السوريين الثوريين) منهجًا وكيفيةً من جهة أخرى. إن استثنائية تلك الأحداث لم تأتِ من تفرّدها، فهي لم تكن طفرة، بل تكررت كثيرًا خلال سني الثورة، إنما تأتي من خلال ما شكلته تلك الأحداث من ذروة لم تحصل من قبلُ، حجمًا ودلالةً ومباشرة، ومن هذه الأحداث، على سبيل المثال، حادثة اختطاف وتغييب رزان زيتونة وسميرة خليل ووائل حمادة وناظم حمادي، من قبل “جيش الإسلام”.

أعتقد أن المراجعة النقدية الموضوعية لتلك الأحداث، وعلى رأسها حادثة (دوما 4)، تساهم في تمكيننا من الوقوف على الكثير من الأسباب التي أوصلت الثورةَ إلى ما هي عليه اليوم، والتيقن من الكامن وراء استمرار تكرار حالات تُماثِلها قبحًا وقذارةً، إلى يومنا هذا. ومما ستتكشف عنه المراجعة المُشار إليها، الآثار الكارثية الناجمة عن احتضان نسبة كبيرة من “مجتمع الثورة” لفصائل من المرتزقة، أمثال (جيش الإسلام) و(جبهة النصرة) وغيرهم، والتهليل لهم، وتقديم المبررات والأعذار القاصرة لسلوكاتهم، باسم “مظلوميتنا” تارةً، وباسم “جهادنا” تارة أخرى، تلك السلوكات المنافية لهواجس ثورتنا وأخلاقياتها ومبادئها وتطلعاتها. وبذلك يكون كلُّ من هلل وساعد وساند وأيّد أمثالَهم، شريكًا لهم في جرائمهم، وبالتالي شريكًا في اختطاف واستمرار تغييب (دوما 4) وفي اغتيال رائد الفارس، وما بينهم من هامات ثورية قُتلت وعُذّبت، على أيدي من أفرزهم جهلنا أو انحطاط أخلاقنا أو كلاهما معًا.

كان على حادثة اختطاف النشطاء الأربعة، ألّا تمر دون قطيعة شاملة ومعلنة من “مجتمع الثورة”، مع جميع أشكال القوى المتأسلمة، والإقصائية، التي إن لم نقل إنها أداة من أدوات وأد الثورة، وأحد منهجيات أجندات المال السياسي الداعم للأسد، فإنها -في الحد الأدنى- لا تختلف عنه إجرامًا وفسادًا. كان علينا أن ندرك أن الحرية والكرامة لا تستويان مع الخطف والقتل والتنكيل. وأن الثورة لا تقبل أنصاف الحلول، ولا تقبل ازدواجية المعايير، وترفض قطعيًا التشبّه بأعدائها، وأن السكوت عن الخطأ يعني استمراره وتعاظم فداحته، وأن السكوت عن القاتل يعني مزيدًا من الضحايا، ولو أننا فعلنا ذلك باكرًا، وأعلناها بأعلى حناجرنا، كما أعلنّا ثورتنا على الأسد وطغمته ومنظومته؛ لما تجرّأ هؤلاء السفلة على التطاول أو المساس بالقيم الجمالية التي تملكها الثورة والتي عبّر عنها نشطاؤها هؤلاء. لقد تواطأنا مع القتلة والجلادين ضد أنفسنا، حين رحّبنا بلحًى أدّعت الإسلام، وحين غضضنا البصر عن خروقاتهم و أجنداتهم وفسادهم، وشاركنا فيها لاحقًا. إن كل جزئية من جزئيات تنازلاتنا عن مبادئ ثورتنا، كانت بمثابة تراكمات تمكينية لهؤلاء المرتزقة، للانقضاض على الثورة ونشطائها الأصيلين، الذين عجز الأسد عن التمكن منهم، ليأتي شركاؤه من ذوي الرايات السوداء، وينجزون له هذه المهمة.

أخيرًا؛ وفي مقابلة لزهران علوش، نُشرت على موقع (يوتيوب) في 22/ 11/ 2013 أي قُبيل أيام من اختطاف (دوما 4) قدّم “علوش” شرحًا حول علاقة “جيش الإسلام” بــ “جبهة النصرة”، فقال: “ما وجدت فرقًا بين شرعيي جبهة النصرة وشرعيي جيش الإسلام، ولو أننا كنّا تشكيلًا واحدًا؛ لكان شرعيو جبهة النصرة هم شرعيي جيش الإسلام، أو لكان شرعيو جيش الإسلام هم شرعيي جبهة النصرة”. وقد صدق زهران بهذه، فلا فرق بين (جيش الإسلام) و(جبهة النصرة)؛ فكلاهما قد طعن الثورة من الخلف، وكلاهما شريك للأسد في إتمام المهام التي عجز عن إنجازها في المناطق “المحررة”، كما تقاسم كلٌّ منهما جرائم بحق رموز العمل الثوري المدني؛ فـ (جيش الإسلام) اختطف رزان وسميرة ووائل وناظم، واعتقل واغتال آخرين، و(جبهة النصرة) اعتقلت المحامي ياسر السليم، واغتالت رائد الفارس وحمود جنيد وآخرين. و جميعنا -نحن السوريين الثوريين الذين لم نعلن منذ البداية قطيعة نهائية مع هؤلاء، ولم نجعلهم جزءًا مما ثُرنا عليه- شركاءُ في تلك الجرائم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق