سلايدرقضايا المجتمع

التفكك الاجتماعي والنفسي للأسر السورية في ازدياد

من نتائج الحرب الكارثية التي شنها النظام السوري على الشعب السوري، تعرّضُ المجتمع السوري الذي تشكل الأسرة بنيته الأساسية، للتمزق والعديد من المشكلات، بسبب تفكك الأسرة السورية، وقد أخذ ذلك التفكك شكلين: الأول جغرافي والثاني اجتماعي نفسي.

التفكك الأول يعني أن الأسرة السورية نتيجة الحرب توزعت جغرافيًا في مناطق متعددة، سواء داخل الوطن السوري أو في دول الجوار أو في المغتربات في أوروبا وأميركا وكندا وغيرها من الدول التي لجأ إليها السوريون، هربًا من جحيم حرب ضروس، وبحثًا عن مكان آمن.

يصدف أن يكون هناك نصف أفراد العائلة في بلد، والنصف الآخر في بلد آخر، ويصدف أن تتشتت العائلة بين خمس دول أو أكثر، إن كان أفرادها خمسة أو أكثر، وهكذا لعب توزع أفراد الأسر المهاجرة دورًا في التفكك الجغرافي، والبعد الاجتماعي والنفسي عن باقي أفراد الأسرة الآخرين. ولهذا الأمر انعكاسات سلبية خطيرة على تماسك الأسرة السورية، من حيث صعوبة السفر واللقاء وتعلم اللغات المختلفة للدول التي قطنو فيها، حيث يتعلم كل طفل مهاجر لغة البلد الذي هاجر إليه، وعند زيارة عائلة إلى عائلة أخرى، يصعب تواصل الأطفال فيما بينهم، إن لم يعلّم الوالدان أطفالهما اللغة الأم.

أما التفكك الآخر فهو التفكك الاجتماعي والنفسي، وهو الأخطر، إذ نسمع، وبخاصة في أوروبا، عن العديد من قصص الطلاق وأيضًا الإشكالات الاجتماعية بين الزوجين، وهذا يترك أثرًا كبيرًا على الأطفال. ويبدو أن المرأة، بعدما انتقلت من بلد إلى بلد، ومن حال إلى حال، قد أعادت حساباتها، وبخاصة مع توفر حرية الرأي والمساعدات الاجتماعية، حيث تشعر بأنها قادرة على إعالة نفسها من دون الحاجة إلى الزوج أو غيره، وأيضًا هي بعيدة عن التأثر الاجتماعي بالعادات والتقاليد التي كانت سائدة في بلدها، وباتت تملك حرية اتخاذ القرار بالانفصال والطلاق، وهذا ما تتيحه القوانين الأوروبية.

إن أخطر ما في موضوع الطلاق والتفكك الاجتماعي هو نقطة قد لا ينتبه إليها الباحثون الاجتماعيون، وكذلك الصحافيون الذين يعالجون هذا الموضوع، وهي أن الطلاق ربّما ما كان ليؤثر في الأطفال بدرجة كبيرة، كما لو أن هذه العائلة لم تهرب من الحرب، إذ إن الأطفال بحاجة ماسة إلى العناية النفسية الاختصاصية، بعد أن عايشوا الحرب وما جلبته من مشاهد مرعبة ومخيفة وارتكابات شنيعة وعنف كبير، وهذه العناية والعلاج يحتاجان إلى سنوات، فكيف الحال وهم الآن يتمزقون تحت ضغط خلافات الزوجين! بالتأكيد، إن الأثر النفسي كارثي وخطير على جيل كامل، سواء في الداخل أو في الخارج.

حول أسباب تفكك الأسرة السورية ونتائجها الكارثية على الأطفال، قالت شيرين بارافي، المقيمة في ألمانيا لـ (جيرون): “كان للحرب الدائرة في سورية أثرٌ كبيرٌ على فئة واسعة من الشعب السوري، وقد تفاوت أثرها بحسب المناطق الآمنة والساخنة، نتيجة لما آلت إليه هذه الحرب من قتل ودمار وتشريد وفقر وبطالة، والمستقبل غير المبشر على الذين ما زالوا على قيد الحياة، وهم أيضًا في رحلة بين التيه والضياع، سواء أكان ذلك بفقدان الأطفال لآبائهم بالحرب أو حالات الطلاق بين الآباء وتشرد الأسر، الكارثة الكبرى”،

وأضافت: “أود أن أُركّز على تأثير هذه الحرب على الأطفال الذين هم الأصل في المستقبل وقد فقدوا هذا المستقبل، لعدم قدرتهم على الالتحاق بالمدارس داخل الوطن، أما الذين هاجروا مع أهاليهم فالخطر الأكبر عليهم هو فقدانهم لهويتهم ولغتهم، فضلًا عن العقد النفسية التي حملوها معهم من جراء تعايشهم مع الواقع المرير، وكيف سينعكس ذلك على حياتهم المستقبلية، برأيي، إن الأثر السلبي كان كبيرًا جدًا، والأطفال هم الخاسر الأكبر في هذه الحرب”.

في الموضوع ذاته، قالت الكاتبة والإعلامية ماجدولين الرفاعي المقيمة في هولندا: “علينا في البداية تقييم بنية المجتمع في سورية، قبل الحرب التي كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، فالزواج في سورية لا يعتمد على تلاقي إرادة الرجل والمرأة عادة، بل له حيثياته المختلفة كزواج الأقارب، ابن العم وابن الخال، فتلك تقررها عادة الأسرة ضاربة عرض الحائط بكل المبادئ التي يجب أن يقوم عليها الزواج، كالحب والتفاهم والتقارب الفكري وما إلى ذلك، أضف إلى ذلك وضع المرأة الاجتماعي الذي يعيب على الفتاة عدم الزواج قبل انتهاء العقد الثالث من عمرها، وعدم وجود المعيل الذي تحتاج إليه معظم النساء، بسبب غياب العامل الأهم لحريتها ألا وهو التحرر الاقتصادي، فالمرأة في مجتمعاتنا هي الطرف الأضعف دائمًا، لأسباب عدة أهمها عدم تكفل الحكومة ورعايتها وتأمينها ماديًا، ما يتركها عرضة للاستغلال الانتهازي، والبحث عن زوج يصرف عليها مقابل تمتعه بها طالما هي شابة”.

وأضافت: “ما سلف قوله هو أحد أسباب طلاق المرأة السورية في أوروبا، إذ تعرّفت لأول مرة إلى قيمتها الاجتماعية، كفرد مستقل له حقوقه وعليه واجباته، هنالك دولة تحترمها وتحميها وتساعدها في اختيار مستقبلها بكل حرية، ولذلك زادت حالات الطلاق، وتعقدت أمور الزواج؛ فالفتاة العربية والسورية تحديدًا لم تعد تتزوج لإيجاد من يصرف عليها، أو كما تروج الأمهات (لأجل السترة) بل صار الزواج لأجل بناء أسرة متكاملة قوامها الحب والتفاهم، ولعلّنا ندرك أن لكل فعل ردة فعل تعادله في الشدة، لذلك فتفكك الأسرة في الوقت الراهن نتيجة حتمية يدفع ثمنها الأطفال، ولكن لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نستمر في طلب التضحية من المرأة إلى ما لا نهاية، وأظن جازمة بأن المستقبل سيقدم لنا نماذج لأسر سورية تقدم للمجتمع الغربي والعربي صورة رائعة، وإلى ذلك الوقت نرجو من المنظمات المجتمعية الاهتمام برعاية الأطفال والاهتمام بصحتهم النفسية حتى تمرّ العاصفة بأمان”.

من جهة ثانية، طرح فريد حمو المقيم في ألمانيا حلولًا لمشكلة التفكك الأسري، وقال: “الهجرة المؤقتة أو الهجرة على المدى القصير مسألة إيجابية وفعالة، عند تطوع منظمات المجتمع المدني وقيامها بالدور المناط بها، بتوعية الأسر وتوجيهها بالانفتاح على الجوانب الإيجابية المتوفرة في المجتمع الجديد للحصول على تلاقح ثقافي فعال، وكذلك للحصول على تحصيل علمي أكاديمي، وأن تقوم هذه المنظمات بحث الأسر على اكتساب مهن جديدة لفتح آفاق فرص العمل ولتحسين مستوى معيشة الأسر، ووفق أجندة مدروسة من منظمات المجتمع المدني، يمكن الحفاظ على الأسرة التي هي جزء من ثروة الوطن الأم، وأحد دعائمها المستقبلية، وحول موضوع توعية الأسر علينا أن نضع أمامها -بحيادية- اللوحتين الثقافيتين الشرقية والغربية، اللوحة الثقافية الشرقية ترتكز على ثقافة ثنائية التطور (المادي والروحي) التي من شأنها أن تنتج إنسانًا موزونًا في سلام ووئام ذاتي بيولوجي نفسي اجتماعي، وكذلك ثقافة أسرية متآلفة موحدة ورأسمالها الموروث، ونقيض ذلك تفكك الأسرة الشرقية انتحار أسروي، أما اللوحة الثقافية الغربية فترتكز على ثقافة أحادية التطور المادي التي من شأنها أن تُنتج إنسانًا متقمصًا مضطربًا مع الذات البيولوجية والنفسية والاجتماعية، وتنتج ثقافة أسرية مستقبلية مرشحة للتفكك والاضمحلال”.

أما محمد محمود المقيم في تركيا، فيعيد أسباب تفكك الأسرة السورية إلى “الظروف الاقتصادية والهجرة، وجذب المراهقين، وبخاصة فئة النساء، بكل الوسائل الممكنة من قبل بعض الأحزاب والتنظيمات المسلحة، وقد أدى ذلك إلى الإبعاد بين أفراد الأسرة وتفككها باسم المساواة والحرية والديمقراطية المزيفة تارة، وباسم الدفاع عن الوطن كواجب مقدس تارة أخرى، وكذلك العجز الجسدي والعوامل والأمراض النفسية التي انتشرت بشكل كبير داخل المجتمع السوري نتيجة الحرب الكارثية، إضافة إلى الاختلاف في الآراء والميول السياسية (أحيانًا)”.

ويرى محمود أن المخاطر الكبرى للتفكك الأسري تكمن في المرتبة الأولى بضياع الأطفال وتشردهم، والحصول على جيل يتسم بهوية اجتماعية وذاتية مضطربة، لا يتمتع بالأهلية اللازمة لبناء مستقبل أفضل لمجتمعه وبناء وطن قادر على مواجهة التحديات، بغض النظر عن المتسبب في التشرد، والحل يكمن في وضع برامج لتوعية الأسرة، والعمل من خلال جميع الوسائل المرئية والمسموعة، وعمل ورش مختصة تقوم بالتوعية اللازمة ميدانيًا”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق