مقالات الرأي

“بالونات” جيفري واستراتيجية واشنطن السورية

قد يُدرج بعض المراقبين التصريحات الأخيرة المتناقضة، للمبعوث الأميركي الخاص إلى سورية، جيمس جيفري، في إطار ما يُعرف بـ “الغموض البناء”. لكن ما بات مرجحًا بصورة بعيدة عن الغموض إلى حدٍ كبيرٍ، هو أن عهد التساؤل عن وجود استراتيجية أميركية بخصوص سورية، قد ولّى. فتلك الاستراتيجية أصبحت أوضح بكثير من أي وقتٍ سابقٍ.

يستطيع جيفري أن ينعي مسارَي أستانا وسوتشي، وبعد أيام قليلة، يتراجع عن هذا النعي، ويدعي أنه لم يقصده. كما أنه يستطيع التحدث عن استراتيجية طويلة الأمد لدعم الأكراد في شرق الفرات، على غرار سيناريو دعم “شمال العراق” الذي أُطلق قبل عقدين ونصف، ومن ثم يتراجع أثناء زيارته لأنقرة، ويتحدث عن دعم تكتيكي ومؤقت للأكراد. وقبل ذلك، كانت الإدارة الأميركية تستطيع إيهام العالم بوجود خلاف في أوساطها، بين الرئيس وقادة مؤسسات الخارجية والدفاع والاستخبارات، حول استمرار الوجود العسكري في سورية، قبل أن يُقنعوا العالم بأن هذا الخلاف قد حُل. لكن ما لا يستطيع الأميركيون فعله هو إخفاء معالم مسار مطوّل من تثبيت العلاقة وتطويرها، مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، وأجنحته العسكرية والأمنية والسياسية، بدأ منذ نهاية صيف العام 2014، ولم يتوقف أو تتراجع وتيرته، حتى اللحظة. وفي الأشهر الأخيرة، كانت السياسات الأميركية على أرض الواقع تؤكد تعزيز هذا المسار، بخلاف كل التوقعات، ورغم التهديد الاستراتيجي المتمثل بخسارة متفاقمة للحليف التركي.

سنوات أربع من التعاون الأمني والعسكري والسياسي المباشر، بين الأميركيين وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، بدأت ملامح تبلوره مع معركة طرد تنظيم “الدولة الإسلامية” من عين العرب (كوباني)، عام 2014، قبل أن تتمتن العلاقة بصورة درامية. فهل يمكن وصف هذا المسار المستمر بصورة تصاعدية، أنه “تكتيكي ومؤقت”؟! ربما يمكن وصف كل ما عداه، من تدخلات ونشاطات أميركية في المشهد السوري، منذ العام 2011، حتى اليوم، بأنها كانت “تكتيكية”. أما مسار العلاقة مع “الديمقراطي الكردي”، فلا يمكن فهمه إلا بوصفه “استراتيجية”.

قد يجادل بعض المنظّرين للسياسة الخارجية الأميركية، عبر منصات مراكز البحث الخاصة بهم، بأن مسار العلاقة مع الأكراد، كان في بداياته “تكتيكيًا”. كانت كل سياسة أميركا في سورية، بعد 2011، تسير وفق نهج “اقتناص” الفرص “التكتيكية”، بعيدًا عن استراتيجية واضحة. كانت واشنطن وكأنها تستكشف ما يمكن فعله في سورية، أو ربما، تكتشف أن تصوراتها الأولية عن إمكانات تدخلها في الساحة السورية، ليست بالبساطة التي تصورتها بعيد ربيع عام 2011. يمكن تقبّل هذا التفسير بشكل مبدئي. ويمكن أيضًا القبول بفكرة يسوقّها بعض المنظّرين في مراكز البحث الأميركية، أن التحالف مع الأكراد أثبت فاعليته بما يخدم المصالح والأولويات الأميركية، فيما فشل نظيره مع فصائل المعارضة السورية. وبعيدًا عن النقاش في تفاصيل هذا الطرح، المثير للجدل، يمكن قبوله بجملته، بوصفه توصيفًا عامًا لمسار السياسة الأميركية في سورية بعد 2011. لكن بخصوص الوقت الراهن، لا يمكن أبدًا قبول توصيف جيفري للعلاقة مع الأكراد بأنها “تكتيكية ومؤقتة”، فذلك لا يندرج في سياق “غموض بناء” بقدر ما يندرج في سياق “تضليل متعمد”.

بكل الأحوال، لا يبدو أن هذا “التضليل” ينطلي على أحد من أطراف اللعبة الإقليمية والدولية في سورية. فجميع هذه الأطراف تتصرف وفق قناعة واضحة بأن أميركا باقية في شرق الفرات. ويحاول كل طرف من اللاعبين، رفع كلفة البقاء الأميركي هناك، علّها تغيّر من مسار الاستراتيجية الأميركية الراهنة. لكن يبدو ذلك عصيبًا للغاية. فتركيا التي تحدثت بصوت مرتفع عن دخول عسكري مباشر لها إلى شرق الفرات، عبر حدودها الشمالية، وُجِهت بنقاط مراقبة عسكرية أميركية، تحمل رسالة تحذيرية بأن الأكراد تحت الحماية الأميركية. وعلى الرغم من التصريحات الأميركية المُطمئِنة التي رافقت هذا الإجراء العسكري، فإن أنقرة فهمت الرسالة، وفق ما توحي تصريحات مسؤوليها الرافضة لوجود نقاط المراقبة المشار إليها. ولا نعرف بعدُ هل يمكن أن تجازف أنقرة في دخول تلك المنطقة، في عملية جس نبض للأميركي، أم أن الأخير نجح في تهدئة اندفاعتها عبر تقديم تطمينات حملها جيفري إلى أنقرة مؤخرًا؟ من السابق لأوانه الجزم بالجواب. لكن من الواضح أن الأميركيين يريدون الوصول إلى معادلة صعبة، لكنها ليست مستحيلة، وهي الحفاظ على الحليفين الاستراتيجيين، في نظرهم: القديم التركي، والجديد الكردي السوري. وفي سيبل ذلك، تبذل واشنطن جهودًا لإقناع تركيا بأن ما تعتبره مصدر تهديد لأمنها القومي، في “الدويلة الكردية” المدعومة أميركيًا، بشرق الفرات، يمكن معالجته، بندًا بندًا. بدءًا بعلاقة الاتحاد الديمقراطي الكردي مع حزب العمال الكردستاني، وليس انتهاءً بضمان عدم وجود أي تعاون أمني أو عسكري بين أكراد سورية وبين نظرائهم المتمردين على أنقرة في جنوب تركيا. ولا تبخل واشنطن مقابل ذلك، بدعم الموقف التركي في مواجهة الروس في إدلب تحديدًا. فالحديث الأميركي عن هجمة كيمياوية مزعومة في حلب، رتبها الروس بالتفاهم مع النظام، بهدف إسقاط هدنة إدلب، لا يمكن فهمه إلا بأنه “تسليف” للأتراك. ولا يمكن تلمس أي مصالح أميركية في إدلب، بل على العكس، كان من المتوقع أن تكون واشنطن أقرب إلى موسكو في الحرص على تصفية “تحرير الشام” ومثيلاتها في إدلب، بوصفهم أذرعًا ومخلفات لـ تنظيم “القاعدة”. لكن بخلاف ذلك، كانت واشنطن حريصة على رفع لهجة التحدي في مواجهة موسكو، مما شكل ضغطًا ساهم في إنجاح اتفاق سوتشي، الذي عقده الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، قبل أشهر.

وإن كانت أميركا تسعى اليوم جاهدة لحل المعضلة التركية التي تعيق مشروعها، بعيد المدى، في شرق الفرات، و”تسلف” الأتراك إدلب، في محاولة للإقناع.. فإنها سبق أن “سلفت” الروس “جنوب سورية”، مقابل تحميلهم مسؤولية “أمن إسرائيل”. وإن كانت موسكو تعلم أن غِلال درعا لا توازن نفط وغاز شرق الفرات، إلا أن لا بديل أمامها، ما دامت حصلت على نصيبها الذي ارتضته لها واشنطن من سورية، وهو كامل “سورية المفيدة”، مع بقاء نظام الأسد، الحليف الروسي، في مأمنٍ، بدمشق.

أما بالنسبة إلى الإيرانيين، فبازار التفاوض، الذي يراوح بين عقوبات اقتصادية، وتهديدات عسكرية، وقنوات حوار سرية، ما يزال قائمًا، بين طهران وواشنطن. ولا نعرف بعد إلى أين قد يفضي. قد نُفاجَأ بأن الأميركيين قبلوا باستمرار الوجود الإيراني في سورية، بشروط محددة، لقاء إقرار إيراني بمنطقة النفوذ الأميركية المستدامة، وضمانات مستقرة بخصوص “أمن إسرائيل”. أو قد تنحرف المسارات باتجاه صداميّ، بارد، أو ربما ساخن، داخل سورية، أو في لبنان، باستخدام “إسرائيل”. كل السيناريوهات على صعيد العلاقة مع إيران واردة. بما فيها محاولة إيران تهديد الوجود الأميركي في شرق الفرات، وهو ما تلمّح إليه طهران، عبر حشد ميليشياتها على الضفة الأخرى للنهر. لكن هذه التكتيكات الإيرانية تبدو غير ذات شأن في ميزان الحسابات الأميركية، ما دامت بلا غطاءٍ روسي مباشر. وحينما حظيت تلك التكتيكات بغطاء روسي، تلقت ضربة عسكرية أميركية أودت بحياة عشرات الروس، في مطلع العام الجاري، في حادثة أنذرت بجرّ الطرفين إلى مواجهة مباشرة في سورية. لكن موسكو امتصت الضربة، وفهمت فحوى الرسالة. فالبقاء الأميركي في شرق الفرات، استراتيجية وليس تكتيكًا، وهو بعيد المدى، وليس مؤقتًا.

لذا، لا يبدو أن تصريحات جيفري المتناقضة أكثر من بالونات جس نبض تخدم مساومات تفاوضية، ولا تعبّر بأي حال، عن المسار المستقر لأولويات وأهداف واشنطن في سورية. فـ “شرق الفرات” بات أميركيًا، وبات تحدّي رفع كلفة ذلك على واشنطن أكثر صعوبة، بالنسبة إلى تركيا وإيران وروسيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق