مقالات الرأي

سترات صفراء وصحافة صفراء

منذ قرابة شهر، انطلقت في فرنسا احتجاجات مطلبية ارتبطت بداياتها بقرار الحكومة تمويل برامج حماية البيئة من زيادات في ضرائب المحروقات، لتمتد وتشمل أكثر من 40 مطلبًا يتعلق معظمها بالمسائل المعيشية وبالحالة الاقتصادية للطبقات الدنيا. وقد جرت الاحتجاجات على شكل اعتصامات في عقد الطرق، أو حواجز غير مانعة تقوم بتحفيز المواطنين على الطرقات للانضمام إليها أو التضامن معها. كما شهدت بعض محطات الوقود الرئيسية ومصافي النفط نوعًا من “الحصار” لمنع دخول وخروج الشاحنات. وعمومًا، فقد سارت مجمل الاحتجاجات بشكل سلمي وهادئ، مع بعض التوترات، هنا وهناك، بين المواطنين أنفسهم، بين من لا يرغب في أن تُقيّده هذه الاحتجاجات من جهة، ومن يريد أن ينضم الجميع إليها من جهة أخرى.

أما في العاصمة باريس، بشكل استثنائي، فقد شهدت الاحتجاجات أعمال عنف وتخريب وحرق، لم تسلم منها سيارات المدنيين كما سيارات الشرطة، وتعرّضت للممتلكات العامة والخاصة في الشوارع الرئيسية، ووصلت إلى حد نهب بعض المتاجر، من خلال الفوضى التي اعترت هذه الاحتجاجات وامتناع أصحاب “السترات الصفراء”، أي المحتجين الذين تميزوا بهذه السترات، عن منع أقرانهم الشباب المنحرفين من القيام بأعمال العنف. وتوّجت هذه الاعتداءات بتخريب متحف قوس النصر الذي لم يخربه المحتل النازي عند دخوله باريس سنة 1940.

منذ “انتفاضة” أيار/ مايو سنة 1968، تميّز المسرح المحلي الفرنسي بالاحتجاجات السلمية المرتبطة أساسًا بالأوضاع المعيشية، كما حصل سنة 1995. بالمقابل، تأججت أحداث عنفية محدودة سنة 2005 في ضواحي المدن الكبرى، حيث تقطن الفئات الأقلّ دخلًا. أما احتجاجات باريس الأخيرة، فقد فاجأ عنفُها حتى من آمن بالحَراك الذي انبثقت عنه. وكان تعامل رجال الشرطة، على الرغم من كل المبالغات غير الموثّقة، هادئًا بل إنه أدى إلى اتهامهم بالتراخي من قبل بعض متصيدي هنات الحكومة القائمة.

الطريف في الأمر هو التغطية الإعلامية العربية، وخصوصًا في بلدان الثورات المضادة أو الثورات المجهضة، كمصر وسورية. ففي مصر، حملت الأخبار سيناريوهات عجَز صُنّاع الكوميديا عن اجتراعها. ومن المعروف أن الإعلام المصري، عامه وخاصه، منذ انقلاب العسكر على الحكم المدني المنتخب، أبى من فجر وشاء من عقل، صار مرجعًا أساسيًا للضحك اليومي والاستهزاء بلا حدود مما يرد فيه، من “نهفات” تمتد بدءًا من اختراع “إصبع الكباب” المعالج لمرض نقص المناعة، مرورًا بالمزايدات الممجوجة على حب صاحب الانقلاب والقائم على البلاد والعباد، وصولًا إلى شيطنة الأعداء السياسيين، ووصمهم بما لا يمكن لعاقل أن يسمعه، وليس أن يتقبله. وصار من الصعب أحيانًا أن يُميّز المتابع بين فن السخرية وفن الواقع، حيث صارت بعض الفقرات المتلفزة أكثر كوميدية من مسرحيات عادل إمام، على الرغم من محاولة إضفاء الجدية على ما يرد على لسان المهرجين/ الإعلاميين الذين، إما لا حول لهم ولا قوة، أو أنهم من أصحاب البسطات الإعلامية القادرين على قلب البسطة وتغيير البضاعة، كيفما يشاء الحاكم.

أطرف ما ورد على لسان “العقلاء” من هذا الإعلام، كما في صحيفة (المصري اليوم) مثلًا، أن للإخوان المسلمين دورًا في تأجيج العنف على هامش الحراك الفرنسي، وهو ما دفع أحد ضباط شرطة دولة خليجية، يمضي من الوقت مغردًا أكثر مما يعمل في مكتبه، إلى القول إن الإخوان المسلمين قادوا التحركات للانتقام من القضاء الفرنسي الذي يلاحق حفيد مؤسسهم، وذلك في إشارة إلى المحاكمة التي يتعرض لها طارق رمضان، بتهم جنسية.

التسلية مضمونة في متابعة هذا الإعلام، شريطة الحفاظ على رباطة الجأش التي تحمينا من ارتفاع الضغط في الشرايين، أما الضحك، فلن يكون حتمًا على المضمون، وإن حصل، ولكنه سيكون مؤكدًا على الشكل وطريقة الأداء.

أما سوريًا، فالكوميديا أقلّ مستوى بالتأكيد، كما هي الحال فنيًا. فالضحك غير مضمون البتة -ولا حتى الابتسام- عند متابعة تعليقات الإعلام الرسمي والخاص على الأحداث الفرنسية. فمن قائلٍ بـ “ثورة”، إلى من يعتبر أن “باريس تحترق”، وبذلك، يمكن أن تشعر أكثر بالغثيان من الميل إلى الضحك، خصوصًا في بلدٍ قُتل فيه متظاهرون سلميون حملوا الورود في بداية احتجاجات 2011. ويستمر الإعلام السوري في التشفي بأحداث باريس مُستخدمًا لغة “حقوقية”، لربما لم يفقه معانيها جُلّ من نطق بها على شاشاته وفي صحفه. فنسمع مثلًا أن “القوات الفرنسية” هكذا، تقمع المحتجين السلميين المطالبين بالحرية. ويسارع صحفي آخر للإشارة إلى المطالب المعيشية، فيخرجها بشكل أكثر سينمائية ليُشير إلى “مطالب الشعب الفرنسي بحياة كريمة”، وبانتظار الأغاني والأهازيج المؤيدة للانتفاضة الفرنسية، كما يحلو لهذا الإعلام -الذي لا يخجل- أن يملأ برامجه، يُنصح بمتابعة الإعلام المصري لتفادي الأمراض، لأن الضحك مفيد في كل الأحوال.

لحق الصحافة السورية والمصرية الصفراء، شكلًا ومضمونًا، تعليقات أهل التطرف المصاب بالرهاب من الإسلام بين الفرنسيين، لتجد إحدى عضوات ما يسمى بالتيار “الفاشي/ المعادي للإسلام” الجرأة لتصرح على التلفزيون الفرنسي بأن عناصر من الإخوان ساهموا في أحداث الشغب، مستندة بكل وقاحة إلى ما اعتبرته “صحافة مصرية جادة”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close