هموم ثقافية

ازدواجية المثقف المدَّعي

تتواتر الأحاديث والنقاشات في المجتمع السوري عن دور الأم في تربية الأطفال، وبخاصة في اليوم العالمي للطفل، الذي يكون الطفل، قبله وبعده، غائبًا جزئيًا أو كليًا عن الاهتمام، كما هي حقوقه.

من جملة تلك الأحاديث ما يدور في أوساط “المثقفين” أي حملة الشهادات، وتحديدًا التقدميين منهم، فلا يقبل أي حامل شهادة أن يكون أقل من مثقف، حتى لو كانت شهادته “تلقيح ضد الجدري”! فمن هو المثقف، إن لم يكن من يحسن تدبيج الكلام وتطعيمه ببعض المصطلحات والكلمات الأجنبية، ويقول الشيء ونقيضه دون أن يرف له جفن، ويحفظ أسماء الفنانين والفنانات والرؤساء والرياضيين، ويتابع مسلسل “باب الحارة”!؟ وما هو الجهل إن لم يكن التعصب بوجه عام، والتعصب ضد المرأة بوجه خاص؟

مناسبة هذا الكلام احتجاج بعض “المثقفين” المعنيين بكلامنا على تفريط المرأة بمسؤوليتها عن تربية الأولاد (البنات ضمنًا، لأنهن غير مرئيات) وانشغالها، حتى عن واجباتها المنزلية، بالدردشة على مواقع التواصل الاجتماعي، في حين “يبقُّ الرجل الدم” في العمل خارج المنزل. هذا جانب من نقاش عام في مكان عام، يلقى استحسانًا صريحًا أو ضمنيًا من معظم الرجال ومعظم النساء و(السكوت علامة الرضا). إذًا، المسؤولية تقع كاملةً على المرأة الأم في تربية الأطفال، بحجة غياب الأب في العمل، والتكنولوجيا الحديثة تلهيها عن أعمالها، وتؤدي –بالتالي- إلى الإهمال والتفكك الأسري. لو كان الاحتجاج، بالحميّة ذاتها، على تزويج الفتاة القاصر، غير المؤهلة لتكون زوجة أو أمًا، أو على العنف الأسري مثلًا، لهان الأمر، لأن تقسيم العمل بين المرأة والرجل يحتاج إلى أكثر من الاتفاق في الرأي.

لا نستطيع أن ننفي سوء استخدام الأجهزة الإلكترونية، كالهاتف المحمول والتاب والكمبيوتر وغيرها، ولكن سوء استعمال هذه الأجهزة ليس مقصورًا على النساء والفتيات، وقد يؤدي سوء الاستعمال إلى نتائج وخيمة، وقد أدى إلى ذلك بالفعل، في حالات كثيرة، ولكن من المستهجن أن يتغاضى هذا المثقف عن أمراض المجتمع الأبوي، الذكوري، الذي يعفي الرجل من سلبياته ويحملها للمرأة، والمرأة بدورها تستسلم لقدرها الأعمى، حتى صار الاستسلام جزءًا لا يتجزأ من شخصيتها. والسؤال: هل نسيَ المثقف الذكر أن الأم هي امرأة عاملة أيضًا، سواء في قطاع الدولة أو في القطاع الخاص أو في أعمال المنزل المنهِكة والمضنية، أم أنه نسيَ عودته بعد منتصف الليل إلى منزله، إما رابحًا في لعبة ورق الشدة؛ فيكون سعيدًا وقد تصل به الحال إلى الرقص والغناء، أو خاسرًا فتنعكس خسارته سلبًا على زوجته وأبنائه؟ هل يستفيق الذكر المتجذر داخل لاوعي المثقف، في الوقت الذي يجب أن يتحمل فيه المسؤولية إلى جانب المرأة في قضية مشتركة كتربية الأطفال، أم هو تعصب ثقافي من حيث ترتيب الأعلى والأدنى؟

يعيش معظم هؤلاء “المثقفين” حالة ازدواجية ما بين التقليد والحداثة؛ وما بين الاستبداد والديمقراطية والاستعباد والحرية. الموقف من حرية المرأة وحقوقها المساوية لحرية الرجل وحقوقه، محك للثقافة ومعيار للأخلاق. مساواة الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل في الحقوق والمسؤوليات، إشكالية معقدة على المثقف، لذلك نراه يتبنى شعارات التقدم والحرية بشكل عام، وحرية المرأة على وجه الخصوص، ومن ثم ينكص إلى تأييد الدور الاجتماعي التقليدي المنوط بالمرأة، في إنجاب الأطفال وتربيتهم، إضافة إلى مسؤوليتها عن الأعمال المنزلية. وإذا حدث وساعد الرجل زوجته، يكون كمن يساعد جاره في بناء سور لحديقته مثلًا، وليس من قبيل التشارك؛ فالتشارك بين الرجل والمرأة ليس منحة وتفضلًا من قِبل الرجل، بل هو واجب عليه وحق لزوجته من حقوقها الإنسانية، وليست التشارك بين الزوجين في الأعمال المنزلية أو تربية الأطفال وحسب؛ بل يجب أن يكون تشاركًا في السلطة والقرار في كل ما يخصّ حياتهما وحياة أولادهما، كما لا يجب أن يكون زمام الأمور بيد أحدهما بمعزل عن الآخر.

هذه الثلة من المثقفين (ولا أستثني المثقفات في بعض المواقف التي تعيدهنّ حريمًا)، ثلة تقدمية بالجملة، ومحافظة أو رجعية بالمفرّق. فحين تطرح أي قضية تمس رجولتهم يعودون ذكورًا، جملةً وتفصيلًا.

إن ما يثير مخاوف المثقف هو انتقاص سلطته المتجذرة في أعماقه، فهو مهتم دومًا بالمحافظة على الأنا الذكورية التي لا تتحقق، في نظره، إلا بالهيمنة على المرأة. إنه يمارس سلطته عليها في حيّز يتماهى مع السلطة السياسية، فليس من فارق كبير بين المثقف الذي يتهم المرأة الأم بعدم أهليتها لتربية الأطفال، بسبب استخدامها الهاتف المحمول أو وسائل التواصل الاجتماعي؛ والسلطة السياسية التي تعتبر التعبير عن الرأي -من خلال تلك الوسائل- جريمة إلكترونية يعاقب عليها القانون، مع العلم أن استخدام وسائل التواصل غير مقتصر على المرأة أو الفتاة فقط، فقد صارت في متناول أيدي الأطفال أيضًا!

هذا كله يشير إلى خطورة الأفكار والقيم البالية التي عششت في رأس المثقف، منذ نشأته الأولى، والتي يظن أنها خمدت بفعل ثقافته وانفتاحه على الفكر الحديث، إنما سرعان ما تقفز وتطفو على السطح لدى أول اختبار عفوي وغير مباشر، فيتضح ما يختبئ خلف الثقافة المزعومة التي يعبّر عنها خطاب أيديولوجي يتغنى بالحرية والديمقراطية، ويرضي العقل الجمعي الخاضع لعبودية النظُم الاجتماعية التقليدية. وإن صح القول، هذا يشير إلى استبدال الهوية الثقافية بهوية جمعية تعاضدية تعتبر نفسها قيِّمة على المجتمع.

ببساطة، نحن لا نجيد إلاّ النقد السلبي أو الانتقاد، والمسألة تتعدى انتقاد سلوكات المرأة وإصدار أحكام أخلاقية مسبقة بحقها إلى انتقاد المجتمع الذي أرادها كذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق