مقالات الرأي

أخطاء علينا أن نعترف بها من أجل مستقبل أفضل لأجيالنا المقبلة

في مناسبات عدة، وضمن اجتماعات مغلقة وأخرى مفتوحة، وفي حوارات ومواقف مكتوبة، قلتُ مرارًا إننا نتحمّل مسؤولية القراءة الخاطئة التي كانت من جانبنا، لطبيعة التطورات التي شهدتها المنطقة، وسورية تحديدًا في ربيع عام 2011، فقد اعتقدنا، وهنا أقصد معظم الذين تصدوا للعمل القيادي في بدايات الثورة السورية، أن الغرب قد قرر رفع الغطاء عن الأنظمة الاستبدادية الفاسدة التي أدّت سياساتها وممارساتها الداخلية، إلى انسداد الآفاق أمام الأجيال الشابة التي وجدت نفسها أمام خيارين سيئين: إما الهجرة بحثًا عن مستقبل أفضل في بلاد الآخرين، لا سيما في دول أوروبا الغربية؛ أو التوجه نحو التشدد، وتمثله موقفًا يجسّد رفض الواقع، والبحث عن هوية ما عوضًا من تلك التي التحفوا بها وهمًا على مدى عقود، وذلك تحت تأثير سحر شعارات أثبتت الوقائع جميعها أنها كانت مجرد ستار تضليلي، للتغطية على عملية الإجهاز التي كانت، وما زالت، موجهة إلى الداخل الوطني.

شخصيًا، كنتُ أتوقع أن الغرب قد اتخذ قرارًا استراتيجيًا بإجراء صيغة من المصالحة مع شعوب منطقتنا، انطلاقًا من المصالح البعيدة المدى. فاستقرار منطقة الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا له علاقة وتأثير مباشرين في الواقع الأوروبي، لا سيّما من جهة الحد من قوافل المهاجرين، والمصادرة على الأفكار المتشددة، ومآلاتها الإرهابية.

ثمّ تبيّن لاحقًا أن قراءتنا هذه كانت خاطئة. فلم تكن هناك إرادة دولية بالتغيير، ونعني بذلك على وجه التخصيص الولايات المتحدة الأميركية، كونها كانت، وما زالت، القوة العالمية الأكبر، والأكثر قدرة على الحسم في مسائل كهذه. هذا ما لمسناه بكل وضوح في الأشهر الأخيرة من عام 2012، حينما تأكدنا تمامًا أن الأمور لا تخرج عن نطاق إدارة الأزمة، وأن المجموعة الدولية الكبيرة التي أعلنت عن نفسها، بوصفها مجموعة أصدقاء الشعب السوري، لم تبذل أي جهد فعلي يُذكر لإنهاء معاناة الشعب السوري، بل وقفت المجموعة المعنية، وكانت تضم ثلاث دول من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن إضافة إلى نحو 70 دولة من القارات المختلفة، وقفَت عاجزة مشلولة، أو أنها تظاهرت بذلك، في مواجهة الإصرار الروسي – الإيراني على دعم النظام، ماديًا وعسكريًا، وتغطيته سياسيًا في مجلس الأمن.

كل ذلك أكد، بما لا جدال حوله، أن التفاؤل الذي كنا نتكئ عليه لم يتجاوز دائرة التحليل الرغبوي، ولم يأخذ بعين الاعتبار واقع تصاعد النزعة الشعبوية، سواء في الولايات المتحدة الأميركية، أم في أوروبا. كما أهمل التفاؤل المعني حقيقة الأزمة القيمية الكونية التي يعيشها عالمنا المعاصر، هذا العالم الذي باتت المصالح العارية فيه، ليس على مستوى الدول فحسب بل على مستوى الأفراد النافذين في تلك الدول أيضًا، هي التي توجّه السياسات، وتحدد المواقف، وتدفع بأصحابها إلى التضليل والتحوير، وتشويه الوقائع ضمن الصيغ التي تتناغم وتتقاطع مع المصالح. أما أفكار عصر التنوير، والقيم الليبرالية، ومواثيق حقوق الإنسان… إلخ، فقد أصبحت من المواد النظرية التي تثير الحنين، ولكنها باتت هشّة، عديمة الفاعلية، في مواجهة التوحش الشعبوي المعاصر.

من بين ما ترتب على هذه القراءة الخاطئة، إهمالنا لأهمية وضرورة عملية بناء القدرات الذاتية، هذا ناهيك عن عدم تمكّننا، لأسباب لسنا في وارد التفصيل فيها هنا، من استثمار الطاقات الهائلة التي كنا نتملكها. فلم نتعامل مع أهلنا في المخيّمات كما ينبغي، ولم نستفد من إمكانات الجاليات السورية الكبرى، خاصة في الأميركيتين والدول الأوروبية. كما لم نتمكن من التفاعل المطلوب مع الداخل. وأخفقنا في عملية تبادل الأفكار والخبرات مع المفكرين والمثقفين والإعلاميين السوريين.

وقد طالبنا، مرارًا وتكرارًا، بضرورة بذل الجهود في هذه الميادين، ولكن نتائج القراءة المتسرعة الوردية للواقع المعقد كانت تخيّم على القناعات والممارسات، وكان الجميع يعتقد أن نهاية النظام قريبة. كل ذلك بفعل العقلية الاتكالية السحرية التي أثبتت الأحداث لاحقًا حدود عجزها، وحجم الكوارث التي تربت عليها. وفي مقابل ذلك، كنا على يقين كامل بأن النظام سيستخدم ورقة الأقليات، وسيعمل على تقديم نفسه، بوصفه “أهون الشرّين”. سيسوّق نفسه بوصفه الحامي “العلماني” لهذه الأقليات، في مواجهة الحركات الإرهابية التي لم تكن قد تشكلت بعد، ونشير هنا إلى (داعش) تحديدًا.

ولكن مع ذلك، لم يتمكن كثير من العلمانيين -مع الأسف- من التحرر من بقايا الأيديولوجية القومية، والنزعات اليسارية المتكلسة ضمن حدود أطروحات ونظريات، لم تعد موائمة لطبيعة الأوضاع الجديدة التي تشكّلت، وتستوجب منظومة جديدة من المفاهيم والأطروحات الوطنية التي تؤسس لمشروع وطني سوري، يطمئن الجميع بواقعية وموضوعية، وبمنأى عن المجاملات الخاوية الشعاراتية.

هذا في حين أن التيار الإسلامي، ممثلًا بالإخوان المسلمين والقوى المحسوبة عليهم، لم يتمكّن من تحديد المواقف الواضحة الصريحة من الجماعات المتطرفة، ومن (جبهة النصرة) تحديدًا، في الوقت المناسب، بل كان يماطل، ويؤجل، وكأنه يراهن على الاستفادة من الاختراقات التي قد يحققها هؤلاء ميدانيًا. ولكن تبيّن لنا لاحقًا أن الأمر لم يخرج عن نطاق طعم، دفع الإخوان المسلمون ثمنًا باهظًا بفعله، ولكن المشكلة تتمثل في أننا حتى الآن لم نجد تحليلًا موضوعيًا لما جرى، ونقدًا صريحًا لأصحاب القرار، أو مراجعة جريئة للعملية برمتها.

تراكمت الأخطاء، لتتحول في ما بعد إلى منعطفات مفصلية في سياق عمليات إعادة تشكيل هيئات المعارضة السورية، حتى وصلنا إلى المرحلة التي خرجت فيها الأمور نهائيًا من أيدي السوريين. وأصبح القائمون على تلك الهيئات مجرد واجهة تزيينية، مهمتها التغطية على الجهود الإقليمية والدولية التي تتصارع حول سورية بمعزل عن السوريين.

وما أسهم في ذلك بصورة أساسية تمثّل في واقع عدم وجود أحزاب وطنية سورية قوية، كان في مقدورها تحديد الاستراتيجية الوطنية، واتخاذ القرارات الصعبة، وسد المنافذ أمام كثير من المتسلقين الذين دخلوا الساحة لمآرب متباينة. وتسببوا في تراجعات كثيرة، سواء على الصعيد الميداني أم السياسي، حتى وصلنا إلى الوضع الذي لا نُحسد عليه أبدًا. وما يضفي قتامة خاصة على ما نحن فيه، هو إخفاق غالبية الجهود التي يحاول أصحابها فعل شيء لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

لكن مع ذلك، تبقى الثقة كبيرة بقدرات الشباب السوري الذين اكتسبوا خبرة هائلة، على مدار السنوات القاسية الطويلة التي عاشوها بتفصيلاتها ودقائقها. وأصبحت الصورة لديهم واضحة بيّنة لا يعكّر صفوها الأحكام المسبقة، أو النزعات التضليلية. فهؤلاء هم عماد المشروع الوطني السوري المستقبلي الذي يبقى هو المخرج لتجاوز المحنة السورية. وما يعزز أهمية وضرورة مثل هذا المشروع هو تأكد السوريين، بعد التجارب المريرة، بأن سورية المستقبل لا تتحمل التعصب الديني، أو المذهبي، أو القومي، أوالأيديولوجي. ولن تكون سورية التي نريد إلا تلك التي تكون بالجميع وللجميع، على قاعدة احترام الحقوق والخصوصيات، وإتاحة الفرص العادلة أمام الجميع للمشاركة والإسهام، من موقع المواطنة المسؤولة التي تساوي بين الجميع، وتقطع مع كل صيغ التمييز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close