تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

ما وراء تلميحات جيفري لأنقرة لتطبيق نموذج كردستان العراق في شمال سورية

في الوقت الذي يتزاحم فيه الخصوم والحلفاء، لبسط السيطرة في شرق الفرات، وتزامنًا مع انسداد الأفق لمساري سوتشي وأستانا على تشكيل لجنة دستورية نهاية العام الحالي بالتوازي، ومع ارتفاع وتيرة التصعيد -داخليًا وخارجيًا- لنسف اتفاق خريطة الطريق حول إدلب؛ يصلُ مبعوث وزير الخارجية الأميركي جيمس جيفري في جولة إلى تركيا والأردن، يحمل معه رسائل مهمة إلى تركيا.

وحسب البيان الصادر عن الخارجية الأميركية، فإن جيفري ناقش مع المسؤولين الأتراك تعزيز الاستقرار والأمن في سورية، بهدف معالجة المخاوف الأمنية بين البلدين، وتعزيز الشراكة الاستراتيجية في القضايا المشتركة بين الجانبين.

المفاجئ أن جيفري ألمح للأتراك عن خياريات الولايات المتحدة، في ما يتعلق بمسار الحلول السورية، والمفاجأة أن من بين تلك الحلول تطبيق سيناريو كردستان العراق في شمال شرق سورية، وهي المنطقة التي تشغل صنّاع القرار داخل أروقة الأمم المتحدة، بعد اعتمادها على الحليف البري المعروف بـ “قوات سوريا الديمقراطية” (الذراع السوري لحزب العمال الكردستاني) حيث ما يزال هذا الحليف، منذ ثلاثة سنوات حتى اليوم، يُنفّذ كامل الأجندة الأميركية، ضمن إطار فضاض متعلق بمحاربة تنظيم (داعش) مقابل التزام واشنطن، كما يتأملون، بتطبيق حُلمهم في تحقيق استقلال ذاتي للمناطق التي باتت خطَّ فصل مع تركيا.

أعطى مقترح جيفري مؤشرًا كرسالة صارمة لكل الحلفاء والخصوم الذين يحاولون فرض معادلة أخرى على الولايات المتحدة لسحب قواتها من المنطقة، لتأتي الرسالة كتوكيد نهائي على بقاء القوات الأميركية لوقت طويل الأمد. بدعوى أميركا القضاء النهائي على تنظيم (داعش) وطرد إيران. لكن حتى إن تحقّق في المدى القريب الهدف الأول، فلن يتحقق الثاني أي خروج إيران، وهذا يعود إلى عدم وجود جدية أميركية على الأرض تفضي إلى تحقيق هذه الغاية، كما تزامن مقترح جيفري، مع إصرار تركي على شن عمليات عسكرية في عين العرب (كوباني)، ومدينة تل أبيض، لكنها تنتظر نتائج التفاهمات مع أميركا، من خلال حل عقدة خريطة الطريق لمدينة منبج، كذلك تزامن المقترح مع محاولة إيران الدخول على خط ضفة الفرات الشرقية، بإرسال ميليشيات تقف وجهًا لوجه مع “قوات سوريا الديمقراطية/ قسد”؛ ما يرشح على المدى البعيد احتمالية مواجهة مباشرة، سواء بين إيران وقوات (قسد)، أو بين إيران والقوات التركية و(قسد)، وهو الأمر الذي ما يزال رهن التفاهمات، في الوقت الذي يتجنب الجميع المواجهة المباشرة لحسابات معقدة ومصالح متداخلة، أهمها نشوب حروب دموية طويلة الأمد، قد تنعكس سلبًا على إنجازات الجميع منذ ثمانية سنوات.

الأهم من كل ذلك أن جيفري أعطى خيار ورقة كردستان العراق، كنموذج يمكن تطبيقه في شمال سورية، كحل أخير قد تلجأ إليه واشنطن، في حال تعقد المشهد أكثر، أو كمحاولة لقطع كل الطُرق أمام المنافسين لها في المنطقة، لا سيّما من روسيا التي تحاول الدفاع عن مصالحها في سورية، من زاوية اتهام أميركا بمحاولة تقسيم سورية، وعبّر عن ذلك رئيس هيئة الأركان الروسية الجنرال فاليري غيراسيموف، في الخامس من الشهر الجاري، محذرًا من محاولة أميركية إنشاء كيان كردي، كدولة مستقلة شمالي البلاد، تحت عنوان “دولة سورية الديمقراطية”.

وعلى الرغم من الزخم الدولي أمام نيّات الولايات المتحدة الضبابية، فإنها لأول مرة تُلمّح بشكل مباشر عن هذا الخيار؛ ما يطرح تساؤلًا: لماذا تمّ طرح ذلك على تركيا؟ وهل إدارة ترامب جادة في ذلك؟ وما غايتها؟

من خلال المعطيات المذكورة، ثمّة خيار أميركي من وراء تلميح جيفري قد تُطبقه في نهاية المطاف، مفاده تحقيق مقاربة أميركية بين حليفها الكردي والتركي، من خلال تشكيل كردستان سورية، وهي ترغب في التفاوض مع الأتراك في إمكانية تطبيق هذا الخيار بشكل يتناسب مع المصالح التركية، وإزالة كل المخاوف الأمنية والعسكرية، وتطبيق هذا الخيار يتطلب تقديم مرونة تركية، وفتح قنوات اتصال مباشرة تفاوضية مع شخصيات كردية غير مصنّفة على قائمة الإرهاب، إلى جانب تجيير ورقة العشائر العربية لصفها، والتوصل مع حليفتها موسكو إلى معادلة توافقية. وقد تلجأ تركيا في نهاية المطاف إلى هذا الخيار، إذا ما ضمنت نتيجة المفاوضات مع الأميركان والروس، بمعادلة كسب الحليفين بشكل يسمح لها فعلًا بحماية حدودها، ذلك لأن تطبيق فدرالية شمال سورية لن يتم إلا من خلال معاهدات صارمة وبنود تضمن لتركيا حماية أمنها القومي، كما أن واشنطن ستكسب حليفين لها: الأول “قوات سوريا الديمقراطية” التي ستحمي قواعدها على الأرض، وتضمن لها سحب الثروات الباطنية، والحليف الثاني تركيا التي ستُشكل خط دفاع لمنطقة النفوذ الأميركي منعًا لأي اعتداء من أطراف ثالثة، لضمان حماية أمنها القومي.

إلا أن وضع النظريات أسهل بكثير من تطبيقها، مع معارضة روسيا وإيران تحقيق هذه المعادلة؛ فروسيا وإيران تريان أن ضمان مصالحهما في سورية يكون من خلال الحفاظ على وحدة البلاد، هذا على الأقل في ظل استمرارهما في الحفاظ على نظام الأسد، مع ذلك يُعدّ هذا الأمرُ نسبيًا في حال تمّ تجاوز عقدة الأسد، وحينئذ سيتجه الجميع نحو تقسيم البلاد، وإن صح القول فسيكون شرعنة تقسيم مناطق النفوذ المقررة منذ 2011.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق