تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

أستانا واللهاث خلف الفتات

مؤتمرات وجولات مفاوضات ماراثونية وقرارات جميعها تصبّ في مصلحة القاتل، لا بل يتمّ كلّ ذلك تحت غطاء هذه القرارات، وليس أولها إعادة إنتاج المجرمين وميليشياتهم، من خلال تسليمهم أغلب المناطق “المحررة”، وإعطائهم الفرصة لمحاصرة ما تبقى من هذه المناطق التي تؤوي الملايين من السوريين، ومن ثمّ قضمها وإعادة السيطرة عليها بالتدريج. هذه النهاية الفاجعة تسير وفق خطة رسمها المحتل الروسي، وينفذها من رضي أن يكون المحتل الروسي والإيراني ضامنين لهذه الاتفاقات.

منذ جولة أستانا 6، اتفقت جميع الأطراف على تحديد أربع مناطق سمّيت “مناطق خفض التصعيد”، وهو مصطلح جديد لم يسمع به أحد من قبل، ولم يُدرج تعريفه في المؤسسات الدولية أو في أي اتفاق أو معاهدة عسكرية على مرّ التاريخ، فهو ليس وقفًا لإطلاق النار تلتزم به جميع الأطراف المتحاربة به، كما هو متعارف عليه عند البدء في أي محادثات لعقد اتفاق بين طرفين متنازعين، ريثما يتم إنجاز هذا الاتفاق بشكله النهائي، ولعل من كان وراء إيجاد هذا المصطلح يهدف بخبث إلى إطلاق يد قوات الأسد والميليشيات المتحالفة معها، لتقوم بالاعتداء على السوريين بذريعة أنه لا يوجد وقف إطلاق شامل للنار لكن يوجد اتفاق لخفض التصعيد، وهو يسمح لهؤلاء -من خلال هذه الذريعة- بأن يفعلوا ما يريدون، بالتذرع بأنهم خففوا من قصفهم وأعمالهم العسكرية على المناطق المحررة، وهذا ما يسمح لهم بالاستمرار في إرهاب شعبنا وقتله والضغط عليه، ليعلن عودته إلى حضن الأسد!

إن مشاركة الفرنسيين والألمان في مؤتمر أستانا في نسخته الحادية عشرة، لم يغير شيئًا في المعادلة، فقد تم الإعلان عن فشلها بحسب تصريحات دي ميستورا! وفي الوقت نفسه تمّ الإعلان عن نجاحها الباهر عبر تصريحات رئيس وفد المعارضة! وهذا يؤكد أن نتائج هذه الجولة لم تختلف كثيرًا عن نتائج الجولات السابقة التي نتج عنها تسليم ثلاث مناطق محررة حيوية للأسد: الغوطة الشرقية وشمال حمص وكامل المنطقة الجنوبية، وفق خطة أمنية استُقطب من خلالها قادة الفصائل وتم إغراؤهم بالمال والوعود بمشاركتهم في حكم سورية مع الأسد، هذا الحلم الذي طالما راود الكثير من الأفراد والأحزاب والحركات الموتورة من الشعب السوري، على الرغم من أن هؤلاء جميعًا يعرفون أنهم لا يملكون المؤهلات العلمية والإمكانات المعرفية لإدارة حي، وهذا ثبت من خلال فشلهم الذريع في قيادة الثورة من بدايتها وحتى الآن، ناهيك عن الإمكانات الخبيثة التي تتمتع بها أجهزة بشار الأسد، وهذا بكل بساطة يعني أنه قد تمّ استخدامهم، كـ “محللين”، وسيتخلص منهم تباعًا بطريقة أو بأخرى بعد إعادة استقرار حكم النظام الطائفي.

المعارضة التي تمّ تفصيلها، حسب مقاس الأطراف المجتمعة في أستانا، هي محاولة يائسة لطمس دماء الشعب السوري، وطريقة بائسة لوأد ثورته، من خلال عقد مثل هذه الاتفاقات مع الذين يبدو أن مصالحهم الخاصة ومصالح أحزابهم وحركاتهم أهمّ بكثير من مصلحة الشعب السوري وثورته ومعاناته، على الرغم من أن أغلب هؤلاء يعرفون أنهم يُساقون إلى مقتلهم، ليس على يد الشعب السوري الثائر وحسب إنما على يد الأسد وعصاباته، وخير دليل على ذلك ما حدث بعد تسليم المناطق المحررة الثلاث، فقد تم نقض لكل الاتفاقات التي عقدها هؤلاء مع الأطراف المعنية، من خلال التنكيل والاعتداء والاعتقال والقتل، التي طالت حتى بعض قادة الفصائل المتصالحين معهم، ولعل ما يثير الدهشة أن من يلهث وراء عقد هذه الاتفاقات والصفقات، ويجمّل الأمر بتصريح هنا وتصريح هناك، يشاهد ما حدث لأهلنا في المناطق الثلاث التي سُلمت لعصابات الأسد، لا بل لم يعد المؤتمِرون يتطرقون إلى هذه المناطق وما يجري فيها، وجلّ اهتمامهم يصبّ في أمور شكلية كاللجنة الدستورية ومحاربة الإرهاب الحجة التي فتكت بالثورة ويستخدمها الآن المؤتمِرون ذريعة لإعادة ما تبقى من المناطق المحررة للأسد وبرعاية إقليمية ودولية، وهذا ما يدفعنا إلى القول: إن سلسلة اجتماعات أستانا مجرد مسرحيّة، الغاية منها تصفية الثورة، وعودة الشعب السوري إلى حظيرة الأسد، وهذا أمرٌ يجب أن يتنبه إليه الجميع، وعلى رأسهم الحراك العسكري والسلمي في الداخل والإعلام الثوري في كل مكان الذي ما زال ملتصقًا بأهله وشعبه، في ظل عدم وجود إعلام حقيقي في مؤسسات الثورة بقصد أو بدون قصد!

إنّ فرض المجتمع الدولي إرادتَه بالقوة على الثورة السورية، من خلال عقد هذه المؤتمرات والاجتماعات التي لم تحقق للشعب السوري إلا الوبال والانكسارات العسكرية، يعكس بوضوح أن أحدًا ممن أدار مؤسسات الثورة لم يُقنع القوى الفاعلة في العالم بأنه قادرٌ على قيادة الدولة السورية، على الرغم من كل الجرائم التي مارسها بشار الأسد على الشعب السوري. وقد استغلّ النظام هذه السياسة المبنية على المصالح، وسار في منهج القوة الذي تفوق به الأسد وعصاباته على الثورة، ليس بما يمتلكه من آلة للقتل بل بمساعدة حليفه الروسي الذي نجح في تعويمه وإعادة إنتاجه حتى الآن، أمنيًا وعسكريًا وسياسيًا، بطرق أمنيّة خبيثة استُخدم فيها أسلوب الخداع والمراوغة والنكث بالعهود، أمام مجموعة من المسيسين عديمي الخبرة في ألاعيب الدول، الذين انساقوا أمام وعودها المعسولة التي قطعها لهم من نصّبهم على رأس مؤسسات الثورة، وهو يعرف خلفيتهم وإمكاناتهم المحدودة في المناورة، لكنه استخدمهم كأدوات للتغطية على تمرير خطة إعادة إنتاج الأسد ونظامه، تارة بحجة قرارات جنيف وتارة أخرى بحجة قرارات أستانا.

كل ذلك يستدعي من جميع من يهمه نجاح الثورة وفرض الحقوق المشروعة للشعب السوري، في الداخل والخارج، وعلى رأسهم النخب الثورية والسياسية والاجتماعية والعسكرية، إعادةَ النظر بمن يمثلهم، وبالنتائج الكارثية التي ألحقها هؤلاء بالثورة السورية، وإعادة رصّ الصفوف، ورفض كل أنواع المشاركة مع عصابات الأسد في أي حكومة مزعومة، ورفض الوصاية من أيّ جهة سواء أكانت سورية أو عربية أو إقليمية أو دولية، وإعادة ترتيب البيت الداخلي للثورة على أسس وطنية، تعيد هذه الثورة العظيمة إلى سيرتها الأولى، معتمدين على الشعب السوري الذي لن يقبل إلا بانتصاره على القتلة والمجرمين، ولن يساوم على العودة إلى حكم الأسد ومنظومته الأمنية الإجرامية، مهما كلّفه ذلك من ثمن، ولنا أسوة بما فعله أهلنا في مخيم الركبان برفضهم العودة إلى مناطق الأسد، على الرغم من الحالة المأسوية التي يعيشها هؤلاء المحاصرون داخل الخيام.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق