سلايدرقضايا المجتمع

لو كان هؤلاء أطفالكم كيف كنتم ستتصرفون؟

عندما يُفضّل أحدهم أن يغامر مع عائلته بعبور مياه المتوسط، فوق قارب متهالك، على أن يعود إلى حضن حاكم يواصل قتل شعبه، فهذا يعني أن الحلول الناقصة التي يقترحها الفاعلون لإنهاء الأزمة، لن تنجح في إعادة السلام، والطمأنينة، والهدوء على أقل تقدير، إلى بلدٍ أكلت النار رصيده الإنساني، وتركته خرائب تنبعث من ركامها الأدخنة والروائح الكريهة. علينا أن نصدق قصص موت الذين ربطوا حياتهم بهذه الفضيلة دون غيرها، وأن ننصت باهتمام لأولئك الذين يبحثون عن المستقبل، والحياة الحرة الكريمة، خارج جلباب الأسد، وخارج نظام تميز منذ تأسيسه بالإقصاء والتوحش.

قبل أسابيع قليلة، تم إنقاذ لاجئين سوريين، باستثناء طفل في الخامسة من العمر، غرق مركبهم قبالة الساحل اللبناني. كما لقي تسعة آخرين حتفهم، قبالة ساحل أنطاليا جنوب غرب تركيا، في وقت سابق من هذا العام، بينهم ستة أطفال. إن موت هؤلاء الصغار يذكّرنا مجددًا بقائمة طويلة من ضحايا الجحيم السوري، ضمت حتى نهاية حزيران/ يونيو الماضي، بحسب بيان أصدرته الأمم المتحدة في 26 تشرين الثاني/ نوفمبر، أسماء نحو 4000 طفل قتيل.

في سياق الزمن، لا يشكّل الموت السوري لحظة فارقة؛ فقد فرض الأسد على شعبه، بعد انتفاضة 2011، ثلاثة خيارات مُرّة: إما الموت بحمم الحرب، أو الموت غرقًا في البحار، أو الخضوع والاستسلام والبقاء على قيد الحياة.

الذين اضطروا إلى التنقل تحت سلطته، بعد أن هُجّروا وضعفت أوضاعهم، لم يَسْلموا أيضًا. فقد شملهم، وفقًا لشهادات شخصية وتقارير إعلامية وإحاطات دولية، بأساليب مُذلة، وضغوطات عديدة، حوّلت مجتمعاتهم البديلة إلى ما يشبه معسكرات كبيرة، تنعدم فيها سبل البقاء. لقد وجدت “خلود منصور” نفسها عاجزة، عن تفسير أبسط الأمور، لمن يسألها عن أحوالها وأحوال عائلتها في سورية، إذ تقول: “تلك أسئلة غالبًا ما يطرحها عليّ الناس بحسن نية منهم، لكنَّها توقِظُ فيَّ الشعور بالإذلال الكبير الذي يشعر به المرء، حين يفقد قدرته في السيطرة على كل ما هو عزيز”.

لم يكن يخطر على بالـ Yasmine Saker مسؤولة التواصل في منظمة (يونيسف) أيضًا، أي شيء مما سترويه لاحقًا، عندما دخلت بسيارتها إلى مدينة عدرا التي تقع على مشارف دمشق، فقد صدمها الواقع إلى حد، لم يكن بوسعها إلا أن تربطه  بأفلام الخيال العلمي، التي تحكي عن نهاية العالم. غير أن ما شاهدته –والكلام لها- “لم يكن خيالًا، بل هو الواقع الراهن في سورية”.

قدّمت Yasmine سردية إنسانية، يمكن اعتمادها شهادة مستقلة حول الأوضاع في مدينةٍ بسَط الأسد سيطرته عليها، إذ تقول: “في عدرا، أربعة مراكز إيواء، يتجمع أكثر من 5400 شخص في ثلاث مدارس مهجورة، في حين يقبع نحو 13 ألف آخرين في بناء كان سابقًا معهدًا صناعيًا لتدريس الكهرباء. إن مراكز الإيواء في عدرا مكتظة للغاية؛ ما يجبر معظم الأسر على النوم في العراء، بالرغم من درجات الحرارة المنخفضة ليلًا. أما الذين يعثرون على مكان داخل المباني فيفترشون الأرض في الممرات. كل ما أريده هو النوم وحدي، وليس مع الآلاف من الناس، هل هذا كثير؟ سألتني إحدى النساء”.

وأضافت: “في خضم هذه الفوضى، من السهل جدًا أن يضيع الأطفال. وجدنا صبيًا صغيرًا، وهو حمزة، ضاع من والده أثناء وقوفه في طابور للحصول على الطعام. بينما انتظرنا أن يقوم الزملاء بتعقب عائلته بين الآلاف المؤلفة من الناس، سألني حمزة وهو يبكي: أليس من الأفضل لو أني قد متُّ في الغوطة!”. وتابعت: “في مراكز الإيواء، رأيت رجالًا ونساء يصطفون في طابورين: أحدهما للرجال والآخر للنساء. طوابير طويلة… استغرق المشي من آخر الطابور إلى أوله، ثلث ساعة. كانوا يصطفون للحصول على الخبز الذي يتم توزيعه من شاحنة. كانت هناك طوابير طويلة غير منظمة تملأ المكان، من أجل الغذاء، أو مواد التنظيف، وأمام العيادات، وعند المراحيض”.

تناقض هذه السردية ما يرويه الإعلام الحكومي، عن الحياة الرائعة، والامتيازات التي ينعم بها من ينقل التلفزيون الرسمي صورهم، وهم يحيّون محرّر سورية من الإرهاب. ففي الأرياف التي تقع على تخوم العاصمة، وفي مناطق وسط وشمال سورية، خضعت لقانون الحرب، لم يلمس السكان المحليون، وضيوفهم من المناطق التي حولتها طائرات النظام إلى أرض يباب، أي سلوك إنساني، أو معاملة مقبولة، تنم عن وجود دولة من مهامها رعاية مواطنيها. بل كان الأمر يتعلق بميليشيات تعاقب الناس داخل معسكرات اعتقال مفتوحة، قبل أن ترغمهم على قبول الأمر الواقع، وتقبيل صورة القديس، البطل. (تقدر الأمم المتحدة عدد من يعيشون اليوم في هذه الظروف، بنحو 6.2 مليون سوري).

إن الإيقاع الحزين، لنبرة أصوات من تضرروا، لا يفتر صداه. وهناك ما يشير أيضًا إلى أوضاع شبيهة. تعرض فيها الآلاف “في الخارج” ممن يخضعون لأنظمة الحماية المؤقتة، لمعاناة من هذا القبيل.

في لبنان، الذي لم يخفِ ضغوطه، من أجل دفع اللاجئين إلى مغادرة أراضيه، تؤكد (هيومن رايتس ووتش) في تقرير لها، أن 13 بلدية على الأقل، أجلتْ قسرًا 3664 لاجئًا سوريًا من منازلهم، وطردتهم على ما يبدو بسبب جنسيتهم أو دينهم. في وقت يواجه فيه نحو 42 ألف لاجئ آخرين، تحت ذرائع وحجج واهية، الخطر ذاته. وتزامنت الإجراءات المحلية مع تصعيد حكومي، غير مسبوق، يدعم علنًا خطة تقضي بعودة الجميع، تبنتها موسكو، في سياق سعيها لتجاوز الحل النهائي، والإسراع إلى تطبيع الوضع الداخلي، وإعادة إنتاج نظام الأسد.

اليوم، تتمدد الكارثة بشكل مفرط، وتتضخم آلام من قضت الحرب على طفولتهم دون حساب. ومجددًا، حاولت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، خرق صمت العالم، عندما اختارت أضخم أسواق العاصمة اللبنانية بيروت، مكانًا لتطلق، عبر شاشة سينمائية ضخمة، مبادرة إنسانية، تصدم بها الذين تلبدت مشاعرهم، وغابت عن أذهانهم محنة من سحقتهم الحرب، ودمرت طقوس اللجوء أحلامهم، وتركتهم عراة في طقس شتائي، لا تختلف قسوته عن الشتاء الذي استبدل الأسد به ربيع بلادهم.

كان جوهر المبادرة مجرد سؤال: لو كان هؤلاء أطفالكم، كيف كنتم ستتصرفون؟!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق