هموم ثقافية

التناص والتلاص

هناك عصابات ومجرمون احترفوا سرقة الأموال والمجوهرات، لكن –للأسف- ثمة لصوص من نوع آخر، يتقنون سلب المبدعين والمفكرين جهودهم، وينسبونها إلى أنفسهم، بل يدّعون أحقيتهم وأسبقيتهم بتقديمها، ليمحوا -مع سبق الإصرار والتعمد- تعب وقلق سنوات، وأوراق كثيرة مليئة بالحبر والأفكار الخلاقة.

قبل سنوات، نشرت الباحثة الإنجليزية آندي ميدهيرست في كتابها (الرائعون السبعة) ما يلخص مطولًا، بأسلوبها الخاص، ما سمي لدينا بالسرقات الأدبية، حيث قالت في مقدمة بحثها: “لم تعد هناك أفكار جديدة، هناك طرق مختلفة لقول الأشياء نفسها”. وقد أشارت الباحثة إلى سبع حبكات أساسية تكمن في قلب أي نوع من الكتابة النثرية، وأوردت تلك الحبكات من خلال أسماء أشهر الأعمال التي تعبّر عنها: حبكة روميو وجولييت، حبكة الطرف الثالث، حبكة العنكبوت والذبابة، حبكة الضعف القاتل، حبكة الصفقة الفاوستية، حبكة كانديد أو انتصار البراءة، وحبكة ساندريلا.

في حين أخذت السرقات الأدبية لدينا، شكلًا وتعريفًا “أدبيًّا” مغايرًا، بين تناص وتلاص، وترجمة ونسخ، ونقل وتقليد، ومعالقة ومعارضة ومحاكاة؛ لذلك فإن البحث عن “الأصالة” أصبح ضربًا من المستحيل.

هناك على قبر شاعر الأسطورة العربي محمود درويش، شاهدة تتزين بعبارته الشهيرة: “على هذه الأرض، سيدة الأرض، ما يستحق الحياة…” هي عبارة اتهم بعد رحيله بسرقتها من الفيلسوف الألماني “نيتشه” وتجريدها من اسمه، وهي أسوأ أذية وجهت إلى أسطورتنا، بعد أن اختارها لترافق نومه الأبدي، ولتصبح بذلك محلّ جدل بين المدافعين عنه والمتحاملين عليه. لكن، بتمحيص دقيق، لن أوافق على اتهام قاموس شعر متدفق بسرقة عبارة مترجمة من فيلسوف ألماني شهير! فما هي إلا عبارة درويشية واحدة ضمن عبارات كثيرة من قصيدة (حنين) حتى وإن كانت نسخًا ونقلًا وتقليدًا، في حين أن عبارة نيتشه الفيلسوف، كان قد استخدمها في كتابه (هكذا تكلم زرادشت) وضمن نص فلسفي ألماني ترجم إلى العربية، كتاب ألفه نيتشه بعد أن أمضى يومًا مع زرادشت الذي جعله يغيّر موقفًا كان قد أخذه من الحياة “فوق هذه الأرض، أمرٌ جدير بالعناء، يوم واحد، حفل واحد، مع زرادشت، علمني كيف أحبّ هذه الأرض”.

يقولون: “نقد القبر ولا نقد الشعر”، ولكن نقدي في بداية الأمر لم يكن إلا نقدًا ذاتيًا، شخصيًا، باحثًا، عرفني إلى حقائق أذهلتني، وجعلت سرقات لا وعيي المثقف، الذي احتفظ في ذاكرته ببعض الكلمات أو العبارات الخاصة بانفعالاتنا الإنسانية، جعلها مجرد نقطة في بحور سرقات بعض المشاهير.

لذلك سأبدأ بشاعر المرأة الدمشقي نزار قباني الذي بدأت شهرته مع قصائده الغزلية للمرأة المغيبة في مجتمعاتنا المتخلفة، والذي أطلق عليه “شاعر الحب والمرأة، وأكثر الشعراء تهذيبًا ولطفًا”.

تنقل قباني كمثقف دبلوماسي بين العديد من البلدان، من دون أن يتوانى عن الاطلاع على ثقافتها وأدبها، بينما نحن محبوه لا نعرف إلا الداخل وثقافته المسموحة في زمن الكتب المؤلفة أو المترجمة، وبغياب النت وشبكات التواصل الاجتماعي! وعليه كيف لنا أن نعرف ونقارن بين ما كتبه شاعرنا السوري وما كتبه الشاعر الفرنسي المشهور “جاك بريفيير” وغيره، أو ما حفظه معجبوه؟!

ها هي مثلًا قصيدته “مع الجريدة” التي غنتها ماجدة الرومي وحازت إعجاب الملايين، لم تكن إلا قصيدة الشاعر الفرنسي بريفيير “غذاء الصباح”، مع بعض التعديلات البسيطة:

«وضع القهوة، في الفنجان، ووضع الحليب، في فنجان القهوة، ووضع السكر، في القهوة بالحليب، وبالملعقة الصغيرة، حرّكها، وشرب القهوة بالحليب، ووضع الفنجان، دون أن يحدثني، وأشعل سيجارة، وجعل دوائر من دخان، ووضع الدخان في المدخنة، ودون أن يحدثني، وضع قبعته على رأسه ووضع معطفه الشتوي، لأن السماء كانت ماطرة، ثم راح دونما كلمة، ودون أن يرنو إلي، وأنا أخذت رأسي بين يدي، وبكيت”

هما قصيدتان تحملان معان واحدة وكلمات واحدة، باختلاف طفيف تفرضه لغة كل منهما، وتصرف نزار قباني الخاص. هذا عن شاعر المرأة الدمشقي المهذب، لكن ماذا عن المرشح الدائم لجائزة نوبل العالمية، الذي اقترف من السرقات عن الأدباء والشعراء الأجانب، ما لا يمكن أن يقترفه طالب أدب مبتدئ، مدافعًا عما فعله دفاعًا طريفًا مسبقًا عن نفسه، أو فعلته، ما يشكل استغباء واضحًا للقارئ؛ إذ كتب مرة يقول: “إن العناصر كالنثر والوزن والأفكار إلى آخره، ليست ابتكارًا لشاعر محدد، وإنما هي موجودة -موضوعيًا- وجود الأشياء، ولهذا فإن استخدامهما لا يكون سرقة أو تقليدًا”.

فأدونيس إذًا ليس سارقًا!

كان أديبًا وشاعرًا مجددًا، انفتح على الآداب الغربية، لا سيما الفرنسية، وانتفع بها في تجديده، لذلك كانت نصف كتبه في النشر، على الأقل، عن الحداثة بالذات. فانبهاره بما وجده عند الغرب من تقدم في آدابهم، مقارنة بما عنده في الساحة الثقافية العربية من تخلف على شتى الأصعدة؛ دفعه إلى استخدام أيسر السبل إلى تخصيب الأدب العربي وتحديثه! وذلك بنقل ما أمكنه نقله من أدب الغرب وشعره وثقافته بوجه عام!! ولكن النقل هنا لم يكن نقلًا بريئًا، فقد ادعى أن هذا الأدب الأجنبي الذي نقله، إنما هو ملك ذاتي له لا لسواه، فهو الذي ابتدعه لا سواه. وقد كان ما فعله قابلًا لأن يمرّ لولا أن آخرين اطلعوا على هذا الأدب الأجنبي المنقول، واكتشفوا ما فعله أدونيس، وكتبوا عنه. ولم تقتصر كتابتهم على أمر اكتشافه، بل وضعوا النصوص الأجنبية إلى جوار النصوص المسروقة عنها، ليؤكدوا فعل السرقة. لكنه ليس سارقًا، حين يأخذ ما يأخذ من منهل أجنبي، فهذا المنهل مباح للجميع، وبإمكان من شاء أن ينهل منه، وما ينهله محللًا مباحًا.

إن مشاهير السرقات الأدبية ماتوا جميعًا، بعد أن أصابوا من “كتاباتهم” ما أصابوه من شهرة؛ إذ يكفي فقط أن نقرأ كتاب (الكوميديا الإلهية) لدانتي (1256-1321م) حتى نعرف حجم السرقة الموصوفة للأديب الإيطالي، من (رسالة الغفران) لأبي العلاء المعري، و(الفتوحات المكيّة) لمحيي الدين بن عربي؛ وهما الكتابان اللذان تُرجِما من العربية إلى القشتالية عام 1264، على يد الطبيب اليهودي إبراهيم الحكيم، بأمر من ملك قشتالة ألفونسو العاشر.

لذلك، سأكتفي بما قاله الفيلسوف الألماني نيتشه: “البشر جميعهم ورثة من بعضهم الآخر، بطريقةٍ أو بأخرى”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق