أدب وفنون

عندما أسأتُ إلى سمعة السعادة الأبدية

خلال أيامٍ قليلة، اعتقلوا الكثير من زملائنا في الجامعة، لأنّهم -كما أنا وأنتِ- تظاهروا من أجل الحرية.

خوفنا جعلنا نبتعد عن الجامعة حتى تهدأ الأوضاع قليلًا، لهذا قررنا السفر عائدين إلى مدننا، بعيدًا عن العاصمة.

جمعنا حقائبنا، وفي الكراجات أخذتُ منك بطاقتكِ الشخصية لأقطع تذكرتين، ثمَّ نسيتُها في جيبي، الحافلة التي تصل إلى مدينتي بعد أربع ساعات هي نفسها تصل إلى مدينتك بعد ثلاث ساعات.

وكأنّها رحلتنا الأخيرة، طوال الطريق حتى مدينتكِ ونحن نتبادل نظرات الحزن، بينما يدي تعانق يدك.

عندما وصلَت الحافلة إلى مدينتكِ ودون أن أبتعد بعيني عن عينيك ونحن نحضن بعضنا، أخذتُ بطاقتكِ الشخصية من جيبي ودسستها بيدك لتنزلي من الحافلة، وتختفي من خلف الزجاج بين المسافرين وأنتِ تبكين بصمت.

تابعت الحافلةُ رحلتها، وبعد ساعة وصلتْ إلى مدينتي، فتوقفتْ أمام مدخلها؛ حيث يوجد حاجز عسكري.

نزلنا كلنا من الحافلة ليدقق العساكر ببطاقاتنا الشخصية، وعندما اقترب أحدهم مني التقطتُ بطاقتي من جيبي وناولته إياها، نظر فيها ثمَّ صاح بي مستغربًا: (هل أنت فلانة؟).

همستُ له بخوف: (لا.. أنا حبيبُها).

(أتعبثُ معي يا وغد؟) وجرّني من قميصي إلى خلف ساترٍ ترابي قريب، ثمَّ أطلق على رأسي النار وقذف ببطاقتك جانب جثتي، وذهب ليمارس هوايته مع زملائه بسرقة حقائب المسافرين.

بعد أن متُّ بدقائق، نهضتُ والتقطتُ بطاقتكِ الشخصية عن الأرض ثمَّ صعدتُ إلى السماء، وعندما وصلتها اتجهتُ إلى الجنة، على بابها أعطيتُ بطاقتكِ للملاك الواقف بجانب باب الجنة.

تأمل البطاقة ثمَّ عبث بأوراقٍ بين يديه، تمتم بذهول: (إنها روحٌ عظيمة.. إنها روحٌ عظيمة).

وفتح لي الباب لأدخل الجنة، أظنُّ أنني أوّلُ كافرٍ يدخلُ الجنة، صحيحٌ أنني قُتلتُ بسببكِ لكنني -أيضًا- فزتُ بالجنّة بسببكِ.

أسرعتُ إلى أول حانة صادفتها في الجنة، وفيها طلبتُ من النادل علبةَ سجائر ذات دخان زهري اللون، وزجاجة نبيذٍ، من ذلك النبيذ الذي بدأتْ الملائكة بتعتيقه منذ الأيام الأولى للخلق.

حول طاولتي في ذات الحانة، ثمّة أناسٌ كثر على طاولات أخرى، تأملتهم فعرفتُ بعضهم، عندئذٍ اكتشفتُ أن مزاجَ الجنّة هنا في الأعلى، يختلف تمامًا عن كلام الفقهاء هناك في الأسفل.

جلب النادل السجائر والنبيذ، أشعلتُ واحدة ودخنتها بمتعة، كان لها نكهة الشوكولا، وحولي انتشر دخانها الزهري، شربتُ عدة كؤوس من النبيذ.. وعندما انتشيتُ وضعتُ ساقًا على أخرى، وبدأتُ أشرح للخالدين في الجنة، داخل هذه الحانة، جسدكِ جزءًا جزءًا، كما حفظته ذاكرتي من غرفتي الصغيرة في الأحياء القديمة للعاصمة، عندما كنتِ تزوريني لنلهو قليلًا.

الخالدون هنا اقتربوا مني مع كراسيهم بحماس، حتى إن الغيتار همس لصاحبه الغجري بنزق في تلك الزاوية: (أرجوك، توقف عن مداعبتي، أريد أن أصغي لكلامه عن جسدها).

تخيّلي، نهدُكِ وحده كلّفني زجاجة نبيذٍ كاملة من الشرح، شربتُ زجاجة ثانية ثمَّ ثالثة وبدأتُ بالرابعة، كم تمنيتُ لو أنك معي هنا لتتذوقي هذا النبيذ.. لا شيء يفوق طعمه لذةً في ذاكرتي سوى طعم شفتيك.

فجأةً صمتُّ، استغرب الخالدون المتناثرون حولي، دقيقة سكون هبّتْ على هذه الحانة لتتلاشى الغيمة الزهرية من فوق رأسي، عندئذٍ أجهشتُ بالبكاء، بكاء مرير.

كسرتُ الزجاجة الرابعة بأن ضربتها بقسوة على جبيني، فغسل نبيذها ملامحي، ليمتزج بدموعي. رميتُ بقهرٍ وجهي على سطح الطاولة لأبكي، وأنا أخبط بندمٍ قبضتي على خشب الطاولة، وأشتم نفسي.

الخالدون اقتربوا مني وهم يربّتون على ظهري، لم أستطع أن أخبرهم بأنني مجرّد مندسّ في الجنة. بكيتُ، فأنا.. وكما كنتُ سببَ كلّ آلامكِ في الحياة، سوف أكون أيضًا سبب كلّ آلامك بعد الحياة، بسبب بطاقتي الشخصية التي بقيتْ معكِ، ستذهبين إلى الجحيم بدلًا من الجنة.

هذا ليس ذنبي، أيها الخالدون، هذا ليس ذنبي.. فالملائكة لا تدقّق في الوجوه، الملائكة لا تدقق في الوجوه، الملائكة لا تدقق في الوجوه.

* اللوحة للفنان السوري أسعد فرزات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق