أدب وفنون

أيام قرطاج المسرحية: فعالياتها ومحاورها

من البدهي استمرارية كل مهرجان لِتُقَدَّمَ، في كلّ دورة من دوراته، بعض الندوات والعروض المسرحية والفعاليات الأخرى، وسوف يستمرّ الاعتقاد بأنّ كلّ دورة جديدة ستكتب سردية مخالفة وأهمّ من قرينتها في الدورة السابقة، وهذا يمثّل علامة جذرية على فهم مغلوط للتقدّم؛ إذ لا منزلة له إلا من حيث مسايرة الزمن ومصاحبته، ولا معنى له إلا من حيث الوقوع في ذلك الشراك الذي نسجه “عنكبوت الوقت”، ولا نتيجة له غير شيخوخة هذا المهرجان أو ذلك. إنّ ماهيّة السؤال الذي نطرحه في حالة كهذه، هو كيف نجعل لتلك الشيخوخة “هويّة غير فارغة من زمانها”؟ وكيف نعيد الفنّ المسرحي إلى العالم، بعد أن بات مقتصرًا على وجود المسرحيين دون سواهم؟ وكيف نجذّر إقامته في الوجود بوصفه شريان المدينة التي نسكنها؟ ما الممكن فعله وقد صارت المهرجانات حدثًا تموت فعالياته وأنشطته وعروضه، بموت الزمن الذي تنزَّلَ ذلك الحدث في مواقيته؟ كيف يخرج مهرجان مسرحي من قوقعة أناه، بتدشينه أفقًا مستقبليًّا للمسرح ومهمّاته؟ كيف يمكن تنشيط ذلك الحدث بتحريره من أسر الزمن وتهريبه إلى الإبداع؟

تأتي هذه الدورة لأيام قرطاج المسرحية مَحْفُوفَةً بغير قليل من هذه الأسئلة، ونِتَاجًا لحدس اللحظة الراهنة التي يتنزل في خضمّها الفنّ المسرحي؛ حيث بات من الصعب سبر أغواره وقضاياه، وتأتي لا لتقدم مشهدًا فارقًا ومتميّزًا ومختلفًا، بل لتضع في اعتبارها نبوّة الشكّ التي يمكن أن تسائل دوراتها الفارطة وتهدم الجدوى من مستقبلها، ومن ثمّ تراهن على فعل نقدي من داخلها، والرغبة في إيجاد مسلك تجاوزي بقدر ما يهدم فراغ المعنى، يؤسس لإمكانية تجذير الممارسة المسرحية وتأصيلها وامتدادها، عسى أن تكون ثمّة إضاءة لِعَدَمَيْنِ مرعبين هما الماضي والمستقبل: أن نُصَيِّرَ العدم إلى الوجود وأن نُمَعِّنَ الوجود  سؤالًا أنطولوجيًّا ملحًّا!

إنّ المطمح الذي تقوم عليه هذه الدورة (الممتدة بين 08 و16 ديسمبر 2018) هو كيف يمكن أن يصبح هذا المهرجان نسغًا عظيمًا يساهم في التغيير والتجاوز، وعلى ذلك؛ من الضروري تنزيل هذه الدورة في سياقاتنا الاجتماعية والسياسية والثقافية التي نعيش، ومن ثمّ تطرح مسألة الفعل على شفا اللحظة الراهنة وما يحوطها من رعب كوني نعيشه. فإضافة إلى مشاركة حوالي 39 دولة عربية وأفريقية وأجنبية في هذا المهرجان، سيبلغ عدد المسرحيات التي ستقدم عروضها 117 مسرحية، بينما ستكون محاور هذه الدورة منقسمة على عدّة مجالات مختلفة يمكن تقديمها على النحو التالي:

مسارح السجون:

يجب في هذا السياق أن يكفّ المسرح عن تقديم عروضه لنفسه وللمسرحيين فقط؛ إذ ستكون ثمّة هجرة من ظلمات السجون إلى أنوار المدينة، فالمساجين الذي يُنْظَرُ إليهم كمنحرفين ومجرمين، هم اليوم يقدّمون نموذجًا خلّاقًا عن العمق الإنساني الذي يُشْطَبُ منهم، بعد أن تورّطوا في الممارسة المسرحية بدورهم، داخل السجون، وأنجزوا عروضًا فرجوية تستحق الانتباه والمتابعة، وعلى ذلك؛ ستكون لنا مواعيد معهم في قاعات العروض: إنّ لهؤلاء القدرة على نثر الورد في المدينة، رغم حيف جراحاتهم التي كانت نتيجة جراحات ألحقوها بمجتمعهم، وإنّ لهؤلاء الآن إمكانية القول باختراق عالم الجريمة وتطهير الذّات من آثامها وخطاياها، ومن ثمّ العودة بأنفسهم إلى تربة الإنسان/ المواطن الذي نحتاج إليه.

المركز والجهات:

تسعى هذه الدورة من أيّام قرطاج المسرحية إلى المزيد من تجذير الممارسة المسرحية، في سياق اللامركزية الثقافية، وعلى ذلك؛ فإنّ العروض المسرحية التي سيتمّ تقديمها في فعاليات هذه التظاهرة، لن تظلّ حبيسة العاصمة التونسية، ولا رهينة المعطى الجغرافي الواحد؛ إنّما ثمّة هجرة للعروض المسرحية التي تمّ إنتاجها في الجهات إلى العاصمة، كما ثمّة هجرة موازية لعروض ومسرحيات أخرى إلى الجهات ذاتها. هذه الحركة المسرحية التي ولدت نتيجة تفاعل المهرجان مع مراكز الفنون الدرامية والركحية، ما هي إلا ضرب من تشريك الجميع في الممارسة المسرحية، ونزعة تراكم من أجل اللامركزية المسرحية، على أن تكون الدورة برمّتها خاضعة لاستراتيجية تشاركية واحتفالية، في معظم الأمكنة والمحافظات والجهات المختلفة من البلاد التونسية.

التعبيرات المسرحية العربية في المهجر

تنتبه أيّام قرطاج المسرحية في هذه الدورة، إلى واقعة مسرحية بات ضروريّا الانتباه إلى أهميتها، تلك التي تجد اشتغالها في تعبيرات مسرحية عربية وجدت إقامتها في المهجر، وتلك التي تحرّضنا الآن على تشغيل السؤال حول خلفياتها الفكرية وبدائلها الجمالية وهواجسها الثقافية و”الهوياتية”؛ فما الخطاب الذي تشغّله، وما الثقافة التي تتبناها، وكيف لها أن تتموضع في مناخ جغرافي غير عربي، وما وسائلها وسياساتها الإنتاجية، وما مدى نجاعتها في استنبات المشترك الثقافي والإنساني بينها والمجتمعات الأخرى؟ ضمن هذا السياق، توفّر أيّام قرطاج المسرحية جملة من العروض المسرحية والتعبيرات الفنية التي وجدت تقاطعها بين الجزائر وفرنسا، وبين لبنان وكندا، وبين بلجيكيا وسورية، وبين الكويت وألمانيا. ستّة عروض سيشاهدها جمهور المسرح في تونس، ستحرّضنا على تكريس السؤال حول تناسج ثقافات الفرجة.

الندوات الفكرية

إنّ أكثر الأسئلة إلحاحًا تطرح اليوم على نحو ضمنيّ لا صريح هو: كيف نعيد المسرح إلى الإنسان؟ سؤال يمكن أن نترجمه من خلال ثلاث ندوات متتالية ستشهد اشتغالها طيلة أيام قرطاج المسرحية، ستعنى الأولى بمسألة “المسرح التونسي واللامركزية” ويديرها الدكتور محمد مسعود إدريس، وستعنى الثانية بمسألة “الممثل والركح في المسرح ما بعد الدرامي: روح التخطي أو حاجة للهجنة” ويديرها الدكتور محمد المديوني، أمّا الثالثة التي يديرها الدكتور عبد الحليم المسعودي، فستعنى بمسألة “الكتابة المسرحية، اليوم، تحوّلاتها ورهاناتها في الدرامي وما بعد الدرامي”.

في الندوة الأولى، وستكون فعالياتها يومي 9 و10 ديسمبر 2018، ثمّة هجرة إلى إعادة استنطاق راهن المسرح التونسي في ضوء إشكالاته الحالية، التي ما فتئت تطرح في كلّ مرّة، دون أن يسمع صدى وقعها بالشكل الذي يجعلها مؤهّلة للنّقد وللتجاوز، ضمن هذا السياق ستتطرق هذه الندوة إلى محاور عديدة تسلّط الضوء على السياسة المركزية للمسرح، وعلاقتها بالجهات، كما تفتح السؤال عن مراكز الفنون الدرامية، من منطلق هاجس اللامركزية والخصوصية الثقافية المحلية أو التبعية للإدارة المركزية، وستركّز على المبادرات الفردية الخاصة بتشغيل السؤال، عن دورها في دعم اللامركزية الثقافية لتختم هواجسها الفكرية والبحثية بالبحث عن أهم التجارب اللامركزية في المسرح، ولماذا لم تتواصل حدّ الآن؟

أمّا الندوة الثانية، وستكون فعالياتها يومي 11 و12 ديسمبر 2018، فهي امتداد مقولة “المسرح فكرٌ وتفكيرٌ… أيضًا” التي قادت مُختَلَف النشاطات الفكرية خلال الدّورة السابقة. ولكنّها بدل تكثيف السؤال عن موقع النقد المسرحي، انعطفت إلى تشغيل إشكاليّة تتنزّل في مسرح ما بعد الدراما، ألا وهي منزلة الممثل والركح، وترمي إلى تفجير السؤال هل كانت واقعة مسرحية تبحث عن تخطّي السائد أم هي مجرّد حاجة إلى الهجنة. وفي ضوء هذا الاستشكال المعرفي والمسرحي، ستنقسم هذه الندوة إلى خمسة محاور أساسية، يتطرّق الأوّل إلى قراءات في نماذج من الأعمال المرجعية المنضوية تحت المسرح ما بعد الدرامي، أو المحسوبة عليه، أما الثاني فيتطرق إلى الممثل/ المؤدّي [برفورمرPerformer ] في المسرح ما بعد الدرامي، وسيبحث المحور الثالث في مقاربات مختلفة حول الإخراج المعاصر. أما الرابع فسيهتمّ بالمسرح ما بعد الدرامي والفنون المعاصرة، بينما سيعالج الخامس تعامل المسرحيين العرب والأفارقة مع منجزات المسرح ما بعد الدرامي.

المسرح المدرسي ومسرح الطفل

لا يكاد يخفى على أحد المنعطفات الراهنة التي يمرّ بها مجتمعنا وتأثيرها بشكل كبير على الناشئة والأطفال والأجيال القادمة، ونظرًا إلى أهمّية مسرح الطفل كما المسرح المدرسي ودورهما في هندسة العقول وتهذيب الأرواح وتخصيب الخيال وتربية الأطفال، حرصت أيّام قرطاج المسرحية في هذه الدورة على توفير برمجة خاصّة لذلك، وذلك من خلال 16 عرضًا موجّها للأطفال، وستة عروض عن المسرح المدرسي، ترمي جميعها إلى توطيد علاقة تلك الفئات العمرية بما هو فنّي وإبداعي، نحو أهداف ساميّة تحصّن نشأة الأجيال.

ضيوف الشرف، تكريمات وتتويجات

إضافة إلى تكريم المؤسسات العربية والإفريقية التي قدّمت الكثر للمسرح، مثل مهرجان الفنون الركحية بأبيذجان في شخص “عبدولاي كونتي”، ومهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي في شخص “سامح مهران”، والهيئة الدولية في شخص “محمد سيف الأفخم”، والهيئة العربية للمسرح في شخص “إسماعيل عبد الله”، والمركز الدولي لدراسات الفرجة في شخص “خالد أمين”، سيتمّ الاحتفاء أيضًا بتكريم  ضيوف الشرف لهذا المهرجان، وهم المسرح البوركيني يوم 11 ديسمبر 2018 في قاعة السينما بنزل “أفريكا”، لتقدم العروض المشاركة من دولة بوركينا فاسو، مع إقامة محاضرة حول “المسرح البوركيني بروسيار كومباوري”، إضافة إلى تكريم كلّ من “أوليفيا أودراوغو” و”إتيان مينونغو”. ثم المسرح الفلسطيني يوم 13 ديسمبر 2018 في القاعة نفسها، حيث تقدّم العروض الفلسطينية المدعوة للمهرجان مع فتح حوار بين المسرحيين التونسيين والعرب والفلسطينيين، بحثًا عن سبل مساندة المسرح الفلسطيني في الأراضي المحتلة.

ضمن هذا السياق، لا تغفل هذه الدورة من أيام قرطاج المسرحية تكريم المسرحيين التونسيين والعرب والأفارقة، ممّن أغنوا المسرح التونسي والعربي والإفريقي بأعمالهم المسرحية، كما لن تغفل تكريم وإحياء ذكرى جملة من المسرحيين التونسيين فقدتهم الساحة المسرحية، إضافة إلى تتويج عدد من الأسماء التونسية والسورية والمغربية والجزائرية والمصرية والعراقية والنيجيرية، ساهمت تجاربهم في إرساء مسارات فكرية وجمالية وإبداعية في المسرح العربي والإفريقي.

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close