ترجماتسلايدر

ما رأيتُ من قبلُ غضبًا أعمى مثل ما يجري في شوارع باريس

لن يتم التعامل مع العوامل التي أدت إلى أعمال الشغب العنيفة التي وقعت في نهاية هذا الأسبوع بسهولة. ومن المرجح تكرارها

“كراهية عشوائية وهستيرية ليس فقط نحو شرطة مكافحة الشغب ولكن ضد مقامات الجمهورية الفرنسية نفسها مثل قوس النصر”. تصوير: عبد المنان عيسى/ وكالة الصحافة الفرنسية/ صور جيتي

فرنسا هي جمهورية تأسست نتيجة عنف شعبي. تنتقل السياسة إلى الشارع هنا بسرعة أكبر من أي ديمقراطية غربية أخرى. لقد عشتُ في فرنسا مدة 22 عامًا، وشهدت احتجاجات في الشوارع من قبل العمال والمزارعين ومنتجي النبيذ وسائقي الشاحنات وموظفي السكك الحديدية وطلاب الجامعات والثانويات والمدرسين والشباب في الضواحي المتعددة الأعراق والطهاة والمحامين والأطباء وضباط الشرطة. نعم، حتى ضباط الشرطة.

لم أرَ قط هذا النوع من التدمير الوحشي الذي أحاط بي في بعض من أرقى شوارع باريس يوم السبت، 1 تشرين الثاني/ نوفمبر، ومثل هذه الكراهية العشوائية الهستيرية، الموجهة ليس فقط نحو شرطة مكافحة الشغب ولكن ضد مقامات الجمهورية الفرنسية نفسها مثل قوس النصر. تجاوزت المعركة التي استمرت 12 ساعة الاحتجاجات العنيفة، لتصل إلى أكثر من أعمال الشغب، إلى حد العصيان، بل حتى الحرب الأهلية.

لم يشهد وسط باريس عنفًا بهذا الحجم منذ تمرد الطلاب والعمال في أيار/ مايو 1968. وقد جاء الكثير من أسوأ أعمال العنف عام 1968 من الشرطة.

ولم تشهد فرنسا دمارًا واسع النطاق من هذا النوع، منذ أعمال الشغب التي أشعلت مثل حريق الغابات عبر جميع الضواحي الداخلية المتعددة الأعراق للبلدات والمدن الفرنسية عام 2005. ثم توقف العنف عند الخندق غير المرئي الذي يقسم وسط مدن فرنسا المزدهرة عن ضواحيها المضطربة، أو غيتوات الضواحي.

في يوم السبت، شاركت حركة “السترات الصفراء” السلمية، بعنف واسع، بفرحة واضحة في تحطيم أروع وأغنى مناطق العاصمة الفرنسية. كان هناك نداءات على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث بدأت الحركة منذ شهر، تدعو إلى هجوم آخر على باريس في نهاية هذا الأسبوع.

كيف يمكن لحركة بدأت قبل شهر، باحتجاجات سلمية على نطاق واسع ضد أسعار الوقود المرتفعة، أن تولّد مثل هذا العداء الشرير ليس فقط تجاه الرئيس ماكرون ولكن تجاه النظام السياسي الفرنسي بأكمله؟ اقترح بعض المعلقين الفرنسيين أن يتم إعادة تسمية السترات الصفراء بـ “القمصان الصفراء”، وهي جماعة فاشية. هذا حديث خطير ومضلل، حتى الآن.

لقد تحوّل جناح متطرف من السترات الصفراء نحو المقت العدمي للمؤسسات الديمقراطية ورموز النجاح والثروة. ولكن في حين أن حشود يوم السبت كانت بيضاء في معظمها (هناك العديد السترات البنية والسوداء بين السترات الصفراء) فإن هذه الحركة تُظهِر، حتى الآن، بعض العلامات الظاهرية من العنصرية أو القومية المتطرفة. يمثل الجزء الأكبر من الحركة ضائقة اقتصادية واجتماعية حقيقية في فرنسا الوسط والداخلية، وهي، لسببٍ ما، تقول إنها محتقرة وتُستغَل ماليًا من قبل المدن المزدهرة في البلد. يشير جزء من وسائل الإعلام الفرنسية إلى أن تظاهرات يوم السبت اختطفت من قبل طوائف شديدة العنف من اليمين واليسار المتطرفين. هذا أيضًا مضلل وخاطئ.

كانت هناك مجموعات من الرجال المقنعين والشبان من بين 5000 شخص أو نحو ذلك في ساحة إيتولي وشوارعها المشعة ولكنهم كانوا أقلية. كانت الغالبية العظمى من مثيري الشغب، حسب تقديري، رجالًا وبعض النساء في الثلاثينيات والأربعينيات من العمر، من بلدات ريفية مظلومة في شمال فرنسا وغربها، ومن الضواحي البعيدة في باريس الكبرى. جاؤوا مستعدّين ومسلحين للقتال.

هناك أوجه تشابه بين تمرد عام 2018 والتمرد الطلابي عام 1968، وحتى أوجه الشبه بين أحداث السبت وأعمال الشغب في عام 2005. وكانت الحركات الثلاث جميعها تفتقر إلى القادة المقبولين. لم يكن لدى الاحتجاجات الثلاثة أهداف أو بيان سياسي واضح أو متفق عليه على نطاق واسع. لكن لا ينبغي الذهاب بالمقارنات بعيدًا.

كان هناك جانب بهيج، بالنسبة إلى تمرد عام 1968. كانت ثورة ضد الملل الاجتماعي المحافظ فيما بعد الحرب بقدر ما كانت ضد الرأسمالية. تم اختطافها من قبل النقابات العمالية التي تمّ حلها فيما بعد عن طريق زيادة الأجور العامة والعطلات الصيفية. قبل كل شيء، كان عام 1968 فترة ازدهار متزايد في فرنسا. في عام 2018، كان جزء من البلاد مزدهرًا، ولكن الكثير من البلاد يشعر كثيرًا أنه تم التخلي عنه ورفضه. كانت أحداث الشغب عام 2005 بمثابة هتاف غضب ضد عنف الشرطة والحرمان الاقتصادي. لم تكن أبدًا “انتفاضة” دينية سياسية، كما وصفها البعض في وسائل الإعلام الفرنسية والأجنبية. بعد استنفاد غضبهم، عاد المشاغبون الشباب إلى الحياة الطبيعية.

لدى السترات الصفراء سلسلة من المطالب لكنها غير مقبولة من قبل الجميع. وهي تراوح بين إلغاء الزيادة المقررة في الشهر المقبل في الضرائب الخضراء على البنزين والديزل، إلى استفتاء للتشكيك في مصداقية ماكرون، إلى دستور جديد يتم فيه تحديد جميع القوانين عن طريق التصويت الشعبي.

السترات الصفراء لديها قادة غير رسميين أو متحدثين رسميين، لكنهم مرفوضون أو معارضون أو مهددون بالعنف من قبل سترات صفراء أخرى بمجرد ظهورهم. جزء من الحركة هم ماويون مزيفون في دفع كراهيتهم للسياسيين إلى حد كراهية أي سياسيين محتملين يخرجون من صفوفهم.

سيتم إجراء محاولة ثانية من السترات الصفراء لتأسيس وفد لمقابلة إدوارد فيليب، رئيس الوزراء، هذا الأسبوع. حتى لو ظهر برنامج للمفاوضات، فمن غير المرجح أن يتم قبوله من قبل الأشخاص الغاضبين المتعصبين الذين رأيتهم في شوارع باريس يوم السبت الماضي. هل ستحترق باريس من جديد؟ من المحتمل جدًا.

اسم المقالة الأصلي Never before have I seen blind anger like this on the streets of Paris
الكاتب جون ليشفيلد،John Lichfield
مكان النشر وتاريخه الغارديان،The guardian، 3/12
رابط المقالة https://www.theguardian.com/commentisfree/2018/dec/03/paris-streets-riots-violence
عدد الكلمات 801
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب/ أحمد عيشة

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق