مقالات الرأي

جورج بوش الأب… هل يستحق المديح بعد وفاته؟

عندما يموت شخص كجورج بوش الأب، فإن ذلك ليس حدثًا عابرًا، وإنما مناسبة جديدة لإعادة تحليل وتقييم ما قام به أثناء توليه الرئاسة الأميركية، ولا سيّما حرب الخليج الثانية 1991، والربط بين تلك الحرب واحتلال العراق من قبل ابنه، جورج بوش الابن، عام 2003 وما آلت إليه المنطقة العربية.

كوميديا سوداء تجلت بإصرار الكثيرين على مدح فترة رئاسته والإشادة بسياسته، وأبرز الحاضرين كان الإعلام الأميركي.

الإشادة ببوش الأب جاءت عن طريق مقارنة فترة حكمه مع فترة حكم ابنه وفترة الرئيس الحالي دونالد ترمب، فالثلاثة من الحزب الجمهوري، وهم يُعدّون من القسم الأكثر يمينية، وفي غمرة النقاشات، لا سيما على (تويتر)، التي تميزت بانفتاحها على مختلف الاتجاهات وحدتها، ما بين ناقد ومادح، كان السؤال الأكثر تداولًا يتمحور حول صحة قرار بوش الأب وقف الحرب على العراق، والاكتفاء بإخراجه من الكويت.

وبقي فعل عدم إزاحة الرئيس العراقي حينئذ صدام حسين هو الهاجس الأكبر لدى البعض، إذ حمّل هؤلاء بوش الأب مسؤولية احتلال جورج بوش الابن الكارثي للعراق في عام 2003.

كان اللافت أن أحد المحللين، في غمرة هذه النقاشات، استشهد بمقال لوزير الخارجية الأميركي “جيمس بيكر”، في صحيفة (لوس أنجلوس تايمز) 8 أيلول/ سبتمبر 1996، حول هذه النقطة بالذات، وتبريراته لقرار إدارة بوش الأب عدم مواصلة الحرب، حيث يذكر الأسباب التي منعت الإدارة من الاستمرار، وكأن قراءة بيكر لقرار بوش الأب كانت بوصلة بوش الابن، إذ حدث كل ما حذر منه بيكر، عندما غزا بوش الابن العراق.

يقول بيكر في مقاله إن قرار الإدارة الأميركية وقف الحرب جاء بناءً على توصيات واضحة من الخبراء والمستشارين السياسيين والعسكريين، وهو قرار صائب في ذلك الوقت، كما يصفه بيكر، وذلك لخمسة أسباب: الكلفة البشرية حيث إن ازاحة حسين تستدعي احتلال بغداد، وهذا يعني المزيد من الخسائر البشرية لا سيما أن الجيش الأميركي اختبر ذلك بعد خوضه معارك برية لمدة 100 ساعة، أي نحو 5 أيام، قبل الإعلان عن وقف إطلاق النار، وكان بوش الأب يدرك تمامًا أن العراقيين سينظرون إلى الجيش الأميركي على أنه قوة احتلال.

وثاني هذه الأسباب كان أن إزاحة صدام، مع ما تستوجبه من معارك، ستترك العراق ممزقًا وضعيفًا، وبالتالي سيتحول إلى لقمة سائغة أمام الجار الإيراني المتربص الذي سيسارع حكامه إلى نشر الأصولية الشيعية والتحكم في العراق، وخلق حرب طائفية شبيهة بما حدث في لبنان. ويتابع بيكر في شرح أسباب قرار الإدارة، بأن نظام حكم الرئيس العراقي لم يسمح لأي تكتل سياسي بالظهور، وبالتالي فالتشظي والتمزق هو مصير العراق، وسط العجز عن تشكيل حكومة بسبب غياب الكوادر، كما أن احتمال انفراط عقد التحالف الذي شكلته أميركا وبالتالي فقدان الشرعية الدولية، منع بوش من هذا القرار.

قد يسارع البعض، كما حدث مع المستشهد بكلام بيكر، إلى القول إن هذا ما حدث تمامًا، بعد قيام بوش الابن باحتلال العراق، ولكن إلى أي حد تصل صحة هذا الاستنتاج؟ وهل بيكر بالأساس كان أمينًا أم مجرد مدافع عن إدارته؟

ذكر بيكر في مقاله أن المعارك البرية دامت مئة ساعة، لكنه أغفل ذكر حوالي 10 آلاف غارة جوية بمعدل 2500 غارة يوميًا، تم فيها قصف العراق بنحو 61 طنًا من القنابل ما بين قنابل ذكية وعنقودية وصواريخ كروز؛ ما أدى إلى تدمير شبه كامل للبنية التحتية للعراق ومن ضمنها مراكز توليد الكهرباء وليس فقط الأهداف العسكرية كما زعمت الإدارة الأميركية وقتذاك، إضافة إلى الحصار المحكم الذي تلا الحرب وأدى إلى وفاة أكثر من مليون طفل عراقي وتوقف عجلة الاقتصاد في البلاد.

أي أن الإدارة الأميركية فعلت تمامًا عبر الحصار واستمرار حملات القصف الجوي بشكل متقطع ما حذر منه بيكر من دون حاجة إلى معارك. كما أن تنبؤات بيكر، بالنسبة إلى تطييف العراق، اعتمدت على تغييب الإنسان العراقي، وافترضت عجزه وعدم أهليته لحماية بلده وحكمها، في حين أن ما حصل فعلًا هو أن أميركا وجّهت كل جهدها لمحاربة الإنسان العراقي ليتحقق لها لبننة العراق وتقديمه على طبق من فضة لإيران، واحتاجت لتحقيق ذلك إلى عدة جولات من القصف المدمّر، آخرها إبان غزو 2003 وحصار ظالم امتد أكثر من 12 عامًا وشكّل مع وجود نظام صدام حسين القمعي وصفة شيطانية، عرضت العراقيين لمحرقة لم تنته حتى الآن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق