مقالات الرأي

هل يصنع التسلّط إصلاحًا وحداثةً؟

أعتقد أنّ قرار الملك سلمان بن عبد العزيز كسر قاعدة توريث المملكة بين الإخوة من أبناء الملك عبد العزيز، والانتقال إلى الجيل الثاني أو الأحفاد، لضخ دماء شابة في مؤسسات السلطة الهرمة وبُنى دولة تعتاش على اقتصاد ريعي لبيع النفط، شكّل ضرورة بالمعنى التاريخي، مع أنه اتّخَذ في سياق الممارسة العملية طابعًا اقتصاديًا واجتماعيًا، يمكن وضعه تحت عنوان “النيوليبرالية” التي يشكل ولي العهد محمد بن سلمان عنوانها الرئيس حاليًا، مع دعوته لخصخصة أهمّ شركات النفط في السعودية (أرامكو)، أو مشروع مدينة (نيوم) الذي يمتد بين السعودية ومصر والأردن، بكلفة استثمارات أولية تبلغ قيمتها 500 مليار دولار.

بحسب الكثير من المصادر، فإنّ هذا المشروع نسخة معدلة من مشروع رئيس وزراء “إسرائيل” السابق شيمون بيرس للتعاون الاقتصادي في المنطقة، وإن لم تُذكر “إسرائيل” مباشرة فيه، وقد حرص ولي العهد على تقديمه في تشرين الأول/ أكتوبر من العام الماضي، تحت عنوان رؤية 2030 التي تتضمن خطة طموحة لما بعد المرحلة النفطية، تقوم على توصية “صندوق النقد الدولي” المعهودة بالخصخصة، مع نصائح لتمويل عملية الانتقال إلى النيوليبرالية، بفرض مزيد من الضرائب أو رفع الأسعار كإجراءات الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون مثلًا.

غير أن وصفة “صندوق النقد الدولي” التي تتعرض لمعارضة سياسية وشعبية واسعة في فرنسا، تبدو مستهجنة في دولة نفطية كالسعودية، لا يوجد فيها أي معارضة سياسية، لكن حين تقوم الدولة بتقليص دعم الكثير من السلع الأساسية بما فيها الطاقة والمشتقات النفطية، بالتزامن مع رفع الأسعار، سيؤدي ذلك بالضرورة إلى تذمر كثير من السعوديين، الذين عليهم أن يتخلّوا عن جزء من رفاهيتهم لصالح مشاريع تبدو وهمية لكثيرين منهم، ومن جهة أخرى لا يبدو هذا الإجراء مفهومًا، في ظل بذخ ولي العهد وحاشيته، أو الهبات التي تغدق على كثير من الحكومات والرؤساء في العالم، وبشكل خاص الرئيس ترامب.

لم يقتصر هذ الرفض على الطبقة الوسطى من الشعب ودافعي الضرائب، بل طال طبقة رجال الأعمال والكثير من أمراء العائلة المالكة، الذين جرى استبعادهم من وليمة النيوليبرالية التي كانوا يديرون أصلًا الكثير من مشاريعها بشكل شخصي، وخارج الجغرافيا السعودية غالبًا، بل تمّ اعتقالهم باسم “اللجنة العليا لمكافحة الفساد” التي يرأسها ابن سلمان أيضًا، وأجبروا على توقيع صكوك إذعان للتخلي عن كثير من مشاريعهم وأموالهم، وهي إجراءات لا تتناسب -من حيث المبدأ- مع طموحات النيوليبرالية التي يتحدث عنها ولي العهد، خاصة أن ذلك كله جرى بعيدًا عن القضاء وسيادة القانون.

ثالثة الأثافي تكمن في أن السعودية مجتمع محافظ، فُرضت عليه الوهابية التي رافقت تأسيس السلطة السعودية الأولى في إمارة الدرعية وسط البلاد، وما زالت المملكة السعودية إلى الآن تستمد كل تشريعاتها من السلفية الوهابية التي تنتمي إلى المذهب الحنبلي في الشريعة الإسلامية، وتدعو إلى اتباع “السلف الصالح” في العبادة والسلوك وطرائق الحياة، لذلك هي ترفض كل مفاهيم حقوق الإنسان المطالبة بالحريات، باعتبارها سياسات غربية تدعو للخروج عن النص الإسلامي الشرعي، وبالتالي هي كفر، وكل من يدعو إليها كافر شرعًا، فلا يوجد في السعودية أحزاب أو نقابات مهنية أو معارضة سياسية، ولا يوجد حرية تعبير أو حرية إعلام ورأي، كما لا يوجد نقد للسلطة السياسية أو مسؤولي الدولة أو رجال الدين، لأنّ أيّ نقد لهم يلحق ضررًا بمصالح الدولة ويُسيء للإسلام، وقد تكفلت الشرطة الدينية أو “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” بمواجهة أي خرق لهذه المنظومة المحافظة، عبر إرهاب الناس والتدخل في قضايا اللباس والسلوك، وهي تمارس كل أنواع التعذيب والجلّد وبتر الأطراف، وصولًا إلى الإعدام بقطع الرأس أو الرجم أو الصلب، وقلما يتم ذلك بإطلاق الرصاص، فهذه العقوبات تنسجم -برأيهم- مع الشريعة الإسلامية، وتعتبر رادعًا لارتكاب الجرائم!

غير أنّ الانتقال إلى النيوليبرالية يتطلب مزيدًا من الحرّيات العامّة والشخصية في المستوى الاجتماعي، وهنا يمكننا النظر إلى بعض الإجراءات المتخذة بمنظار إيجابي، كالسماح للمرأة السعودية بقيادة السيارة، أو مشاركتها لأول مرّة في الانتخابات البلدية، أو دخول ملاعب الرياضة وحفلات الترفيه كالموسيقى والسيرك مثلا، وصولًا إلى افتتاح صالات السينما، إضافة إلى تجريم حوادث التحرش الجنسي، واستحداث “الهيئة العامة للترفيه”، لكن ذلك وضع إجراءات ولي العهد في مواجهة القوى والعقلية المحافظة التي ترفض أي انفتاح أو تغيير، ممّا اضطّر ابن سلمان إلى الحد من قوة الشرطة الدينية أولًا بإلحاقها بوزارة “الشؤون الإسلامية”، من دون أن يخفي رغبته في عودة “السعودية إلى الإسلام الوسطي المعتدل والمنفتح على جميع التقاليد والشعوب”، لكن دون ذلك سيبقى كثيرٌ من الجمر تحت الرماد.

وربما تشكل قضية الحريات وحقوق الإنسان بشكل عام، وحرية المرأة بشكل خاص، الضلع الرابع في جبهة القوى الرافضة لتغييرات ولي العهد، فأغلب نشطاء المجتمع المدني والمطالبين بتغيير المنظومة الحقوقية ومرجعيتها الدينية باتجاه التوافق مع شرعة حقوق الإنسان، وآفاق الانفتاح على عصر الحريات والديمقراطية، وخصوصًا بين الشباب والنساء، تعتبر كل ما جرى مجرد إجراءات استنسابية تهدف إلى تلميع صورة الدولة، فما معنى أن تقود المرأة السيارة، في حين تُعتقل النساء المطالبات بحرية المرأة؟ وما معنى كل الإجراءات الترفيهية السابقة في ظل استمرار ولاية الرجل على المرأة؟

ففي ظل تلك الولاية أو التبعية، لن تستطيع المرأة السعودية أن تفعل شيئًا بكل الحريات والحقوق التي يتغنى بها الإعلام الرسمي في السعودية، ولن تستطيع السفر أو حتى الحصول على جواز سفر، ولن تستطيع الزواج بمن ترغب، أو مجرد فتح حساب مصرفي لذاتها، ما لم يوافق وليّ أمرها الأب أو الزوج أو الأخ أو الابن على ذلك!

ويتساءل الشباب: ما جدوى الخصخصة، في ظل ارتفاع الأسعار وزيادة الضرائب؟ وما أهمية حفلات الترفيه، بالنسبة إلى من يفتقد الأمان الشخصي وحرية التعبير؟ وهل السعوديون يحتاجون إلى تلك الحفلات أم أنهم يطمحون إلى الانتقال إلى مفاهيم العصر وحقوق المواطنة المتساوية؟ وهل يشكل هذا التغيير حداثة حقيقية أم أنه تغيير شكلي ذو طابع استبدادي مفروض بأوامر عليا؟

فحرية المرأة لا تنفصل عن مصفوفة الحريات التي تطال مجمل حقوق الإنسان، كحرية التعبير والرأي والنشاط المدني أو السياسي وصولًا إلى حق الحياة، الذي فتح الكثير من علامات الاستفهام، بعد مقتل جمال خاشقجي في القنصلية السعودية بإسطنبول، في عمليةٍ اعتُبرت أغبى وأغلى عملية تصفية في التاريخ، وعلى الرغم من أن الغرب والإدارة الأميركية أظهروا كثيرًا من التواطؤ في قمة العشرين الأخيرة وقبلها، لطي هذه الصفحة، فإنّ تكاليف هذا التواطؤ ما زالت ترهق السعودية، بل هي مدعوة الآن لدفع فواتير سياسية فيما يخص الحرب في اليمن غير السعيد، وربما تجاه قطر أيضًا.

التسلط والاستبداد لن يصنعا حداثة، والتغيير الحقيقي يحتاج إلى تغيير المنظومة الحقوقية والتعليمية ونظم الإدارة والسياسة؛ لنصل إلى شكل من الملكية الدستورية التي تؤمن بتداول السلطة ومساواة المواطنين أمام القانون، وإلا؛ فسنكون أقرب إلى تأسيس فرع جديد للسلالة الحاكمة، عبر تغيير الديكور من دون نزع فتيل التناقضات السابقة التي يمكن أن تنفجر في أي وقت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق