أدب وفنون

فقير وقع في سلة المعارضة!

رغم حذري، على مدار ثلاثة أعوام، من الإغراءات التي كانت تُقدّم للمعارضين السوريين للمشاركة في المؤتمرات، وما يتضمن ذلك من نفقات سفر وطعام وفنادق، فإنني في نهاية عام 2013 وقعتُ في الفخ الذي كنت أتفاداه، وقبلت دعوةً من صديق قريب جدًا، للذهاب إلى إسطنبول والمشاركة في مؤتمر لأحد أطراف المعارضة السورية. فقد وسوستُ لنفسي بأن الداعي صديق، وهو يعرف أنه لن يستطيع شرائي أو لن يحاول، فلماذا لا أستفيد من بطاقة السفر المجانية، والنوم في فندق خمس نجوم مجانًا، وكنت قد سمعتُ عن هذا النوع كثيرًا، وأتناول طعامًا فاخرًا لم أستطع طوال عمري تناوله لغلاء ثمنه. حزمتُ حقائبي، التي ملأتها بثياب فاخرة من “البالة” المونتريالية، وتوكلت على واحد أحد، وصعدتُ الطائرة المغربية، وكان الهدف من هذا الخيار توفير مئة دولار على المعارضة. بعد اثنتي عشرة ساعة من الطيران والتوقف، وصلتُ إلى إسطنبول، وكلي شوق إلى رؤية الثوار والأصدقاء، وحضور الندوات التي ستبشرنا بالعودة القريبة إلى سورية بعد إسقاط النظام الأسدي، الذي وُعدنا به من قبل “أصدقاء” الشعب السوري.

الصدمة الأولى التي تلقيتها كانت عندما توقفت التاكسي التي أقلتني من المطار إلى الفندق، أمام بناء شاهق، وقال السائق بلغة فصيحة: لقد وصلنا، هذا فندقكم أستاذ. قلتُ له قبل أن أغادر السيارة: هل أنت متأكد من أنك اصطحبتني إلى العنوان الصحيح؟ وبدت الدهشة في عيني الرجل الذي قال: هل خاب أملك أستاذ بمستوى الفندق، الذي ربما لا يليق بكم؟!

غادرت التاكسي، بعد أن دفعت للسائق عشرين ليرة تركية، متضمنة ليرة إضافية كإكرامية، وتوجهت إلى موظف الاستقبال أسأله إذا كان اسمي في قوائم الحجز عندهم، بعد دقيقة ناولني بطاقة مغناطيسية لغرفتي، شارحًا لي كيفية فتح الباب، واستخدام الإنترنيت، ومواعيد الأكل. شكرت الرجل الذي يصرّ على تكلم التركية التي لا أعرف منها إلا بعض الكلمات والأرقام التي ما تزال مستمرة في لغتنا العربية، وتوجهتُ إلى الطابق الرابع حيث غرفتي.

الصدمة الثانية كانت عندما دخلت الغرفة، صحيح أنني لا أفهم كثيرًا بمستويات الفنادق ونجومها، ولكن الغرفة كانت تشبه الغرف التي كنت أراها في السينما، أو في مسلسلات أثرياء العالم عندما يعشقون، ويدعون عشيقاتهم إلى فنادق فاخرة، كي يحطموا عندهن أي احتمال بالصمود والممانعة أو الدلال. وضعت محفظتي المتواضعة على الأرض، ومددت يدي متلمسًا الفراش الفاخر، ولما كنت تعبًا فقد قررت النوم بانتظار اجتماعات المساء التي ستكون، حتمًا، حامية الوطيس، ولكن دون سنابك خيل أو غبار، وخاصة بعد أن سمعت عن صدى أصوات الصفعات التي تصدر عن صفيح وجوه المعارضين، ولكن من حسن الحظ في فندق آخر من فنادق إسطنبول الفاخرة، فدرت حوله (التخت) دورتين قبل أن أقرر الاستلقاء على “كنبة” فاخرة موجودة في الغرفة، فقد خطر ببالي أن يكون هناك خطأ من نوع ما في حجز الغرفة، فرأيت أن الأفضل أخذ الاحتياطات، واستلقائي على “الكنبة”، يجعلني جاهزًا للمغادرة فورًا، في حال كان عنوان الغرفة ليس صحيحًا.

الصدمة الأخيرة، قبل أن يزعل مني الجميع تقريبًا، كانت من نوعية الكلام “النظري” الجميل الذي يشيع جوًا من الراحة النفسية، وكان معظمه للرد على الاتهامات الضمنية، الواردة في كلمات المشاركين، التي طعنت في نوعية الطعام، ومستوى خدمات الفندق الناقصة، وخاصة التلميح المتكرر عن غياب الحوريات، لأن حياة “الثوار” لا تُحتمل ولا تُطاق دون حوريات وشراب، وخاصة في إسطنبول!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق