أدب وفنون

ماتَ أهلي

إلى روحَي رائد الفارس وحمود جنيد بطلَي كفرنبل في قافلة عشاق طويلة

غُصّتِ الرّوح دمعًا وشجوا

وأنا أرى صقرين ملءَ سماءِ الرؤى يسقطانِ

كانا مع الشمس والشمس تشدو

لأجنحة الحب حين تعانق فيها المعاني

 

سقط العاشقان بغدر الحراب الأجيرةِ

قف واخلع نعليك عاريًا ولا تمش وأصخ يا صمت

أهو الموت..

تضرّج الأفْقُ.. تطايَرَ الرّيشُ

اختلطَ بالدّم بالرّوح والعنفوانِ

وصارَ الوجودُ شقيقًا من الدّم والنّارِ

سقطَ العاشقانِ على الصّخر

سقط العاشقان

لا تمشِ لا تمشِ يا صوت

إنه الموت قبيحًا إنه الهواء جريحًا إنّني..

قلبي هوى وتَداعى

تحطّمَ في الأفْقِ زجاجٌ من النّور

هوتْ شمسُ روحي ملطّخةً وبلادي..

هوينا معًا بينَ وحْلِ التّراب

بغدرِ العدوّ وغدرِ الصديقِ القناع المحابي

ثمّةَ في كلّ نسيمٍ ذئابٌ

وملْءَ الدّروب سمومٌ

وملءَ الحياة عدو مقيم يُنكّلُ بالعاشقين

ابتعد يا موت..

لم ينتظر

وهوى على الصّخر قلبي

لا تحفروا لنا قبرًا

ضبابٌ بعينيّ

ترابٌ.. غبارٌ فكيفَ أرى يا إلهي

وخلفَ الحشودِ من الغلّ والموتِ

جيوشٌ وألويةٌ من دمارٍ

الذباب على جرحِك يا شهمُ حوّمَ ثمّ أقامَ

وتداعتْ عليكَ الحراب الوحوش وناشت بلحمك أنيابها

 

وما زلت صعبًا وحرًّا كما القدر المستبد

تقاتلُ وحدك

وكانت جموع المرابين ملء إهابِ المريدين حولك

وها أنت وحدك

كل الوجود يهون وأنت تريد العزيمةُ فيك ولا تستكين

تعرف أن الطريقَ طويل مع الغدر والموت لكنّها الروح فيك

هيهات ترجع للقمقم الحجري

وترضى بذلّ الخسيسِ الذي سامَها

 

أدرَكَنا قاتلٌ تعزّز بالغدر

أهالَ الترابَ علينا

ولا أمّ تحمي

ولا حائط يسْندُ أظهُرَنا ويقينا السقوطَ الأخيرَ

شُهبُ الجياد هوتْ وبقينا نخبّئُ حشدَ الجياد الأبيّ

ليومٍ تأخّرَ حتى ظننّا محالًا يجيء

كيف أرى يا إلهيَ بعدَ الشّداد الطوالِ بلادي

أراها…

غصصتُ بلادا

غصصتُ سوادا

غصصتُ شتاتًا من الموتِ

يرصدُنا في الليالي ويقفو خطانا فأين المُقامُ وأين المسير

 

أبكي بدمعةِ طيرٍ هوى

وطفلٍ يتيمٍ بأحزانه

بأنّات قبّرةٍ لا تغنّي

لا تسألوني

سكتَ القولُ

في آخرِ الرّوح أرضي

ولا من سبيلٍ إليها

طال المطال

فيا شامُ لا تركعي

والعنيهم دمًا ودواما

على مَرّكِ عبرَ الدهور

أبكي وأشجو بحرّانتي

من يُعانقُ دمعي

ماتَ أهليَ في الشام

وأنا لم أصلهم

ولم أرهمْ شتاءً بعيدًا وبحرًا من الدّم

ونجوى ربيع تعثّر حتى أناخَ

وكلكلَ من فوقَهِ عَوْلمٌ وجيوشٌ عرام

وأنا بصلبانِ شعبي

غُصّ التراب بأجساد إخوتي وصحابي

ودمعي إلى الله

أجرجر دمعي

والرملُ في لقمتي ومدادي

زِدْ بدمعي شقيقي على الموتِ

أهلي وقبري وقبرِ أمي هناك

ما وصلتُ إليها

مددت يدي.. ولا من قبور

وما لا علمتُ منها

فقد بعثرتها الوحوش التي في السّماء وغالتْ بلحمي

ولا من تولّوا على شجوِهم نائمين

غياهبُ ليلٍ يُمحدِلُ فينا

هل أزورُ ثراها غدًا وقد بعثروها

أأدفنُ فيها

يا أخي وأبي

وأبناء إخوتي

في تراباتِ أمي

وما تحتَه من رميمِ

جدودي

ويا أصدقاءَ روحي

لا تسألوني

سقطنا معا تحت سمّ الحراب على الدرب

لا تحفروا لنا قبرًا غريبًا هنا

أنا أحمل لحدي معي جبلا

في جروحي

أرضيَ محتلّةٌ من ذئاب المفازات

وعَوْلَمِ هذا الخراب

ولا أصلها ألا بروحي

أبكي بشجوان

حَرّانَ شعبي ودادي

 

فلا تسألوني

لا تحملوا وجعي وموتي

بل اعضدوا شهقتي حُرّةً بالثّمالاتِ

وأنا غارق بين هذي الرمال

أجرجر أشلاء شعب ذبيح جريحِ

لا تحفروا لي قبرا

في الشّمس مثواي ومثوى ألوفِ الصّقور التي غادرتنا سريعا

أراها مسلّةَ شعبي من الشهداء

تلمع في الشمس

وأسمعُها زغرداتُ بلادي تُغنّي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق