هموم ثقافية

المسرح والتعليم

للمسرح -في رأيي- أعداء يتآمرون عليه من داخله ومن خارجه؛ أما الذين من خارجه فهم التجَّار الذين يسعون إلى الربح، فيفعلون به كما فعلت روما بقرطاج عاصمة تونس التي أسَّسها الفينيقيون، حين احتلتها بعد قرابة مئة عام من مجدها، فهدمتها وقامت بحشو ترابها بالملح حتى لا تصلح للزراعة، فلا يعود الفينيقيون أو العرب ثانية إليها، ولو عادوا فلا يسكنونها. ليس لأنَّه المسرح، بل لأنَّ أثينا ما تزال تحكمنا بالمسرح منذ ألفين وخمسمئة عام؛ تحرِّك فينا بذرة الديمقراطية، ويرعاها مسرحها الذي كتبه أرسطوفانيس وإسخيلوس ويوربيدس وسوفكليس. هذا المسرح الذي حفظ لنا ولها عقلها/ فلسفتها وفنونها وآدابها. تعالوا نقرأ ماذا فعلنا منذ مئة عام، رغم كل استخداماتنا لما تعلمناه في الطب والفلسفة والتاريخ والجغرافيا والهندسة والفلك…الخ؛ هل استطعنا أن نعمِّم الحرية؟ أن نعمِّم الديمقراطية؟ أن نعمِّم الجمال، أن نزيح القباحة، أن نشبع لقمة الخبز؟ هل أفرزت كل هذه العلوم مفكِّرًا أو فيلسوفًا أو فلكيًا أو كيميائيًا، كما فعل وأضاف أسلافنا من مثل البتَّاني وابن الهيثم والكندي والفارابي وابن رشد؟

نحنُ -وهذا ما يخيف أو يقتل الحلم في أعماقنا- (لا) نملك منهجًا للتفكير العلمي أو الأدبي أو الفلسفي. نحن قوميون وشعوبيون وطائفيون ومذهبيون ويمينيون ويساريون وأسطوريون وواقعيون وفوقيون وتحتيون. وهذه كلها مسرح، أو مادة تراجيدية غنية بالصراع، وتصلح أكثر ما تصلح لأن تكون عرضًا مسرحيًا، لكن أحدًا لا يحب المسرح. أين ثورتنا العلمية!؟ أنا لا أنكر أنَّ الجامعات العربية فيها رجال فكر يصنعون عقل الأمة، لكنَّهم مقيَّدون بجنازير الاستبداد، فعقل المستبد يسطو على عقل المبدع. نحن في تراثنا أو في عمقنا المعرفي عندنا (معقولات) عربية في معظم العلوم، لكنَّها على يد العقل المستبد تحوَّلت إلى (لا) معقولات، وهذا ما أثار وجنَّن عقل مسرحيين عرب مثل: توفيق الحكيم، ألفرد فرج، سعد الله ونوس، محمود دياب، نجيب سرور، سعد الدين وهبة، محمد بن قطاف، عز الدين مدني، صقر الرشود وآخرين.

في المعاهد المتخصِّصة، المعاهد المسرحية، في سورية والجزائر والكويت، على سبيل المثال، التي تعطي، تحاول، تربي الطالب تربية مسرحية، نريد، وهذا أضعف (الإيمان)، أن لا يعرف الطالب، أن لا يتعلَّم فقط ما جرى للفن المسرحي على طول التاريخ. بل أن يتعلَّم التفكير. فحين ندرِّسه شكسبير أو بريخت فلا نأخذ “تاريخ” حياتهما من المهد إلى اللحد، بل ندرِّسه الإشارات التي في الجملة الحوارية فنفكِّكُها، نحلِّلها لغويًا، نفسيًا، ثمَّ نحاول، نسعى، نجرِّب ندفع الطالب إلى أن يحلِّلها في مخبره العقلي، مخبره الكيميائي، لتلد على يديه ولادة جديدة، فنرى ثقافته وموقفه الإنساني، إنْ كان الطالب رجعيًا أو تقدميًا أو إن كان متَّبعًا أو مبدعًا، لأنَّ الطالب أو المدرِّس ليس هو من يملأ حقيبته بالأوراق؛ بل هو الذي يملأ رأسه بالمعرفة والأفكار الجريئة المثقَّفة. المسرحي العربي، أو المسرح بشكل عام هو فعلٌ جدلي يقوم مشروعه على الجدل. قد لا أكون متطرِّفًا حين أقول إنَّ كل مسرحيٍ هو مثقَّف نهضوي، ذلك لأنَّه وحده من بين المشتغلين في الفنون إبداعًا يتساءل: من نكون؟ فيكون أو لا نكون. لأنَّه أكثر من يعرف أنَّ الدولة المستبدة تنفق على حماية نفسها، أمنها، أضعافَ أضعاف ما تصرفه على التعليم في كل مراحله، حتى إنَّها لمَّا سمحت بالتعليم الجامعي الخاص؛ وهو تعليم تجاري ربحي قد يأتي المسرح في برامجه بصفته زائرًا غليظًا؛ أقامت ستارًا حديديًا بين الشباب/ طالبي العلم الذين يعيشون تحت خط الفقر، والعلم/ التحصيل المعرفي والعلمي، لتؤكد ثانية من جديد تلك المقولة (نحن ضد التخلف ولكنَّنا لا نتقدَّم) مع أنَّ هذا الفقير -طالب العلم- يعيش فوق أرضٍ غنية؛ بل هي من أغنى الأراضي بالثروات المعدنية والنفطية وحتى الزراعية. ماذا نفعل؟

في عودٍ على بدء؛ التعليم والتكوين المسرحي العربي في بداياته قام على (الكفاءة) ولم يقم على (التعليم).. أي اعتمد على أبناء (الكار) الذين جاؤوا المسرح من ميادين الحياة حبًا به؛ وهؤلاء هم الذين أسَّسوا له، من مارون النقاش إلى أبي خليل القباني إلى توفيق الحكيم فمصطفى كاتب ومحمد الماغوط… لقد قدَّموا مهاراتهم بمنتهى اليقظة العقلية، لأنَّ المسرح عمل عقلي/ فكري، ذلك بما كسبوه من معارف، بعضها افتراضي وآخر انجازي، ومن ثمَّ أحسنوا التصرف في خلق حالة مسرحية عربية.

في المعاهد المسرحية العربية، إنْ في مصر أو الكويت أو سورية أو المغرب أو الجزائر أو تونس؛ صرنا نخسر المبدع فيما نربح المتعلِّم. المبدع يخلق/ خالق، فيما المتعلِّم يردِّد، يكرِّر، يستنسخ ما قاله أستاذه. لذا يجب أن نبحث عن المبدع ونحن نعلِّم. ففي كثير من الجامعات العربية ما يزال التعليم هو عملية حقن الطالب بالمعلومة، وبطرق ومناهج وأنظمة قاسية، وأحيانًا مدمِّرة لأيِّ بذور إبداعية عند الطالب، التعليم بعامة والمسرح بخاصة، وُجد ليعلِّمنا على التفكير. والمسرح العربي بحاجة إلى لاعبين جريئين يلعبون بطفولة/ ببراءة وبكثير من المهارة. لماذا تشدنا مباراة بكرة القدم؟ أظن لأنَّها (لعب). نحن نسميها لعبة كرة القدم، لعبة كرة الطائرة، لعبة كرة السلة… إنَّه اللعب. وأثينا سبقتنا أو هي كانت تفهم أنَّ المسرح لعبٌ، كما المباريات الرياضية، وكانت لا تجمع بين لعبتين؛ فيوم للعب الممثلين على منصة المسرح؛ حيث ذهب الجمهور للتفرُّج على هذه اللعبة، وحيث إنَّ سلطة أثينا لا تُقيم أي نشاط آخر يتقاطع مع يوم اللعب المسرحي. ويوم للعب الرياضة هو يومٌ للتفرُّج على اللاعبين وعلى اللعبة. ثمَّة خاسر وثمَّة رابح وثمَّة (لذَّة)، ثمَّة جمهور يلتذُّ بالتفرُّج على اللعب، وهذه هي الحلقةُ المفقودة في العروض والمهرجانات المسرحية العربية، وحتى في البرامج الدراسية التي تعلِّم هذا الفن في كافة مراحل الدراسة؛ إذ إنَّ الكثير من العروض المسرحية، على الرغم من أنَّ النص يكون لـ شكسبير، وكثيرًا ما نستعمل شكسبير! تراها فظَّة وخشنة وسطحية. لأنَّ المخرج وكذا الممثلين يتخلُّون عن الطفولة، يتخلُّون عن اللعب، ويصنعون العرض بتبادل إطلاق الرصاص والصراخ وضجيج الموسيقى. الإخراج وكذا التمثيل، ومهما كان المخرج والممثلون مهنيون نظريًا وعمليًا، وخريجو معاهد مسرحية، يتطلَّب منهم أن يكونوا (لاعبين) لا يفقدون البداهة والعفوية والرشاقة وتلك الرعشة الروحية والحسية، وهم يلعبون لعبتهم؛ يلعبون أدوارهم، يلعبون أدوارنا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق