مقالات الرأي

المثقفون السوريون والثورة

الحديث عن الفئة المثقفة أمرٌ صعب لتشعب الموضوع، وخاصة عن علاقة هذه الفئة بحدث عظيم استثنائي كالثورة السورية، التي لم تشهد منطقتنا لها مثيلًا على مرّ التاريخ.

لن أتحدث عن المثقفين من منطلقات فلسفية وفكرية معقدة، بل سأتحدث ببساطة عما قدّمه هؤلاء، الذين يعتبرون أنفسهم كذلك، من أجل قضية الشعب السوري. ولا يمكنني إلا أن أذكر قول قائد ثورة أكتوبر (فلاديمير لينين) الذي وصف المثقفين بأنهم أكثر فئة انتهازية في المجتمع.

وليس كل من تحدث بالسياسة والفكر والخطط والتنظير هو مثقف، فالمثقف الحقيقي هو الذي يستخدم العلم والمعرفة من أجل التغيير، وعليه ألا يعيش لنفسه فقط إنما يسخر معرفته في خدمة شعبه والإنسانية، ولا يمكن للمثقف أن يعيش منعزلًا عن قضايا أمته وشعبه، ولا يمكن لنا فصل الثقافة عن الحضارة، وبالتالي فالمثقف الحقيقي هو الذي يربط بين موقفه الفكري والثقافي وبين الموقف الحضاري، ولا يكون المثقف حقيقيًا إذا لم يربط بين سلوكه وفكره، بين موقفه الفكري وممارساته العملية حيال قضايا الإنسان. إذًا الثقافة ليست مهنة كبقية التخصصات بل هي معرفة وموقف وسلوك حضاري متكامل.

لا يغيبنا أن نذكر أن هناك كتابًا وشعراء وسياسيين وقفوا إلى جانب الطغاة، وسخروا أقلامهم للحكام المستبدين الفاسدين، وبالتالي هم مثقفون يخدمون أنظمة بعينها تحت حجج مختلفة، ولكن النتيجة أنهم يبيعون أنفسهم لمختلف الأنظمة، بغض النظر عن تصنيفها جمهورية كانت أم ملكية أم إسلامية أو غيرها. فالمعيار الأساس هو: هل هذا المثقف الذي لديه ما يقوله للناس، من فكر وأدب وشعر وكتابة وبحث وعلم، يخدم الشعب والإنسانية، أم أنه يخدم مصالحهم الخاصة ويلبي طموحاتهم الشخصية التي قد تكون معنوية أو مادية.

نتذكر هنا قصة رواها الشاعر التركي العظيم ناظم حكمت الذي قضى سنوات طويلة من عمره في السجون التركية، لأنه كان يحمل الفكر الاشتراكي. قال حكمت: طلب حاكم تركي من أحد الشعراء أن يقول فيه مديحًا ويثمن قيمته كحاكم جبار، فرد عليه الشاعر: ليس لدي ما أقوله. وبالنسبة إلى القيمة فأنت لا تساوي إلا المبلغ الفلاني. فانزعج الحاكم وقال: ويحكَ إن حزامي المرصع بالذهب والمجوهرات وحده يساوي هذا المبلغ. فرد عليه الشاعر: هذا ما عنيته بالضبط. فحزامك فقط هو الوحيد الذي له قيمة مادية. يعني باختصار أن الحاكم المستبد ليس له قيمة في عيون الشاعر الذي تحدث بوجدان الشعب. فأين مثقفونا وأدباؤنا ومفكرونا وسياسيونا من ذلك الموقف؟

لا أتحدث هنا عن الناشطين والثوريين الذين قد يمتلكون مؤهلات علمية وأدبية متواضعة، فموقفهم العملي في إشعال فتيل الثورة كان أهم من مجلدات كتبها بعض المفكرين والفلاسفة والأدباء، لكني أتحدث حصرًا عن الفئة ذات المؤهلات العلمية العالية وعن موقفهم من الثورة.

بالطبع، ذخرت سورية بالمثقفين الحقيقيين، منهم من برز في السياسة والعمل الوطني، ومنهم من خاض معارك في الفكر والأدب والشعر، وقدم العشرات منهم، في فترة ما قبل الثورة، أثمانًا باهظة لمواقفهم السياسية الملتزمة بقضايا الشعب، وقضوا في السجون عدة عقود. لكن فترة الثورة كانت كالمرآة التي كشفت حقيقة المثقفين السوريين، وعرّت مواقفهم.

وأكثر من أضر الثورة أشخاص ادّعوا أنهم سياسيون ومثقفون وإعلاميون تحدثوا بصوت عال دفاعًا عن شعارات الثورة، ولكن بعضهم لم يمتلك الثقافة الكافية ولا الموقف السلوكي المنسجم مع ما يطرحه، ولهذا الأمر تفسيرات مختلفة. فهناك أشباه المثقفين الذين ركبوا موجة الثورة، ورددوا شعاراتها ونددوا بالنظام، واعتبروا ذلك كافيًا لكسب الشهرة والدعاية، وهم نجحوا في ذلك لفترة، وبعضهم كان مخترق ويكرر الشعارات على مبدأ: حقّ يراد به باطل.

يبدو أن غياب العمل الجماعي هو أحد الأسباب الخطيرة لتبعثر الجهود وعدم بلورة موقف سياسي ثقافي وطني، يظهر عظمة الثورة السورية ويقدمها للعالم في وجهها الحضاري الصحيح.

بصراحة، هناك سبب مهم اليوم يعيق العمل الجماعي الوطني، وهو مرتبط بالأنا السورية القادمة من مشارب مختلفة دينية وتراثية وسياسية، ومن تربية النظام المتسلط الذي يمجد القائد الأوحد، كل ذلك انعكس على روحية العمل الثوري والمعارض فأعاق نجاحه كثيرًا، لأننا اليوم نتفق فيما بيننا على أهم المواقف السياسية الوطنية التي تنسجم مع شعارات الثورة، ومطالب الشعب السوري، ولكننا لا نستطيع التقدم بشكل جوهري وفعلي، بسبب تلك الأنا بالدرجة الأولى إلى جانب أسباب أخرى بالطبع.

في هذه الأجواء غير الصحية، اختارت فئة مثقفة رصينة ملتزمة بقضية الثورة بكل فكرها وعقلها، أن تكون بعيدة عن مشهد التسابق من أجل الشهرة وكسب المنافع المختلفة.

وشهدنا شخصيات مثقفة أخرى لها تجربة غنية في العمل السياسي، لم تتمكن من لعب دور مؤثر كبير بسبب انخراطها في ممارسات أضرت بالثورة كثيرًا، ولذلك تفسيراته، ونتحدث اليوم عن النتائج أكثر من الغوص في الحيثيات التي تحتاج إلى التدقيق والتوثيق، وسنتركها للتاريخ والأيام القادمة.

ليس كل المثقفين محسوبين على تيارات فكرية وسياسية واضحة، ومع ذلك فهناك المثقفون الذين ينتمون إلى الفكر اليساري، وهم أنواع، بعضهم وقف مع الثورة، وبعضهم الآخر وقف مع طاغية دمشق بحجة معاداته للإمبريالية والصهيونية! وبعض المثقفين انتموا إلى الفكر القومي أو الإسلامي، وآخرون إلى الفكر الديمقراطي. وهناك المستقلون الذين يؤيدون بناء سورية العصرية المتحضرة، وليس لهم انتماءات سياسية وحزبية معينة.

صحيح أن هناك ثقافات مختلفة، ولكن الخلفية السياسية والإنسانية والمعرفية هي المقياس لأي ثقافة، فهناك مبدعون ليس لهم علاقة بالسياسة والشأن العام، لكنهم عبّروا عن قضايا إنسانية عامة، وهناك مفكرون وفلاسفة خدموا البشرية من دون أن يعلنوا موقفًا سياسيًا مع نظام سياسي بعينه.

فشل المثقفون السوريون، ولا سيما الديمقراطيين منهم، في مساعدة الثورة بإيجاد خطط واستراتيجيات لها، وفي بلورة فكر وثقافة سياسية وإعلامية واجتماعية تنير الدرب للناشطين والثوار، الذين اغلبهم من الشباب. لكن بذور الثقافة الوطنية الحقيقية التي زرعت مع بدء الثورة السورية بدأت تزهر، وبدأت تتبلور ثقافة جديدة مختلفة عن التقليدية التي قمعت سنين طويلة، وتأثرت بأخلاقيات النظام.

اليوم، بدأت الشخصيات والنخب السورية المثقفة التحركَ والبحثَ عن موقف سياسي وطني جامع وممارسة عملية تحافظ على جذوة الثورة. إذ تقع على عاتق المثقفين مسؤولية تاريخية أمام شعبهم، تكمن في مساعدته في تلمس الطريق الصحيح المناسب للاستمرار في النضال من أجل مطالب مشروعة، مثل الحرية والكرامة والعدالة ودولة المواطنة.

نهوض الشعب السوري وقواه الوطنية، من بين الأنقاض، يحتاج إلى موقف واضح وشجاع من قبل الفئة المثقفة، في رسم معالم الطريق السليم للشعب بعيدًا عن الأنا الخطيرة والاعتبارات الخاصة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق