تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

الغارة الأخيرة وإحداثيات القذائف

منذ إسقاط الطائرة الروسية في أيلول الماضي فوق الأراضي السورية، عندما كانت طائرات الاحتلال الإسرائيلي تمارس فعل “الإغارة الاعتيادي” على مواقع النظام والميليشيا الإيرانية، تعالت الأصوات والصراخ في موسكو ومحورها عن صواريخ إس 300، وثار جدل حول نشرها والرعب الذي يصيب الأوساط السياسية والأمنية في تل أبيب، حتى قررت موسكو رسميًا نشر بطاريات الصواريخ، كما هو معروف، لكن ضمن قواعدها العسكرية في سورية.

قبل أيام، نفذت المقاتلات الصهيونية غارات جديدة هي الأولى، بعد صراخ أيلول الماضي عن تلك التي اعتقد محور موسكو بأنها عضلات جديدة للنظام يتفاخر بها أمام الصهيوني، لا لردعه بل لإكمال ما ينجزه، وهو ما أثبتته سنوات طويلة عن حق الرد على العدوان.

المثير هذه المرة أن الغارة الإسرائيلية الجديدة على مواقع النظام تضيف برهانًا جديدًا وأصيلًا، عن تحالف موسكو وتل أبيب، في تقاسم الوظيفة والمصالح فوق الجغرافيا، وبالأجواء التي قالت بروباغندا موسكو إن النظام بات يمتلك عضلات جديدة بصواريخ إس 300، وظهر محللوه يشرحون ميزة بطاريات الصواريخ وقدرتها على لجم العدوان، وكنا نقول منذ البداية إن عضلات الأسد المستوردة لم تكن معنية طوال أربعة عقود بتأمين حدود وأجواء سورية من العدوان، بل كانت مضافة إلى أدوات القمع التي يمارسها النظام، حتى اندلاع الثورة، واستخدمها دفعة واحدة ضد الشعب السوري.

يتضح من سلسلة الغارات السابقة حتى الأخيرة على مواقع نظام الأسد، وتلك التي تُذخر فيها مقاتلات الاحتلال قذائف الغارة القادمة، أن معظم التهديدات وردّات الفعل المصاحبة لمثل هذه الغارات، بات استهلاكها اعتياديًا في موسكو وتل أبيب ودمشق وطهران وبيروت. محاولة الإسهاب في تفاصيل ما حدث، ويحدث، لمعرفة التفاصيل الدقيقة للغارات أو ردة الفعل تدخل في مجال الخبرة العسكرية والأمنية والغور في أسرارها، وذلك من تخصص الأجهزة المخابراتية والأمنية، أما على مستوى التحليل السياسي فيمكن حصر ذلك من خلال ما هو معروف بالتوجهات الإسرائيلية في هذا المجال، بالإبقاء على تنسيق عالٍ ومفيد مع موسكو، يضمن لتل أبيب مجال التحرك، كما في السابق، أي قبل إسقاط الطائرة الروسية.

لم يعد سرًا أن “إسرائيل” باتت تؤكد في كل مرة على بنك الأهداف المستهدف فوق الأراضي السورية، بالقول إن إيران وميليشياتها ومخازن تسليح (حزب الله) هي المستهدفة، مع الإبقاء على مواقع النظام العسكرية بحدود ما هو مسموح ومتاح لها، كقواعد استهداف للجغرافيا والديموغرافيا السوريتين، فمنذ حين لوحظ إسرائيليًا نشاط يقظ ومستمر لميليشيا طهران في جنوب دمشق وسورية، في محاولة لإعطاء أجوبة مناسبة لما يتصوره النظام وحلفاؤه، لوضع يصورونه على أنه تغيّر نوعي وخطر في القدرة العسكرية لنظام الأسد، مع صواريخ موسكو من طراز إس 300، وهو ما يذّكر بنشاط مماثل من التصريحات التي تعقب كل غارة، وقد وصل عددها إلى المئات، لكن تصريحات سوبرمانية الرد كانت أكثر بكثير.

في الشهر الأخير الذي أعقب تزويد موسكو لقواعدها في حميميم وطرطوس ببطاريات صواريخ إس 300، ازداد حديث أبواق الإعلام السوري ومناصريه، عن أن هناك “قفزة نوعية” بالقدرات والإمكانات، الأمر الذي يحتم على العدو إعادة النظر بأي خطوة عدوانية، من دون أن يسهب هذا الإعلام في تقديم العدو لغاراته، بتحالف مع موسكو، بأن لا يستهدف نظام الأسد، لأنه الأقدر والأكفأ على تأمين الحدود والأمن، وهو لبّ تحالف تل أبيب مع موسكو، وهو جوهر التحرك الإسرائيلي القائم على إبعاد الإيرانيين وميليشياتهم عن حدود يطمئن فيها الصهيوني لنظام الأسد، مع أنه يعرف أن كل مجال النظام العسكري موجود لقمع المجتمع والشعب السوري.

التحسبات والتخوفات الإسرائيلية من صواريخ موسكو، موجودة فقط في إعلام الأسد، كذرائع للانقضاض على المجتمع السوري، أما موسكو فقد أتمت -حسب اعتراف مسؤوليها العسكريين- جملة من تجارب لعشرات الأسلحة ومئات القذائف المتفجرة والمعدلة والملائمة لتطور سلاح موسكو. النظام في كل هذه المعادلة، معادلة عدوان تل أبيب واحتلال موسكو، يبقى هو الأداة والوظيفة لإفشال أي نهوض سوري أو عربي، وهو مغزى عدوان يتقاسم رمي قذائفه النظام السوري وموسكو وتل أبيب، فقط إذا راقبنا وجهة القذائف وإحداثياتها، وهي بملايين الشواهد التي تستهدف ضحية واحدة هي سورية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق