أدب وفنون

(أولاد الغيتو.. اسمي آدم) رواية الالتباسات الحزينة

يمكن أن نصف، دون كبير قلق، رواية إلياس خوري الأخيرة: (أولاد الغيتو.. اسمي آدم) بأنها رواية الالتباسات بامتياز. حينما كتب إلياس خوري رواية (باب الشمس) تساءل كثيرون: لماذا لم يكتب فلسطيني رواية النكبة الفلسطينية، حتى يأتي لبناني، ويقوم بهذه المهمة؟!

لسنا هنا، بصدد البحث، أو الإجابة عن ذلك السؤال، ولولا أن إلياس خوري طرح في روايته الجديدة (ولو بشكل موارب) تلك المسألة مرّةً أخرى؛ لما أشرنا إليها.

وظفّ الكاتب “مكر الروائي”، وأدواته الفنّية المتعدّدة، للإيحاء بأن الكتاب الذي بين أيدينا، هو مخطوط لآخر وصل إليه بالصدفة، بعد أن مات صاحبه محترقًا، بطريقة تتماهى مع انتحار الشاعر الفلسطيني راشد حسين في نيويورك.

اسم الكاتب المفترض هو: آدم دنّون، أو دانون. نلاحظ هنا التباس الأسماء، حيث يحيل الاسم الأول إلى أصوله الفلسطينية، بينما يحيل الاسم الآخر إلى أصوله اليهودية!

لا يقف خوري في لعبة التباساته عند ذلك الحد، بل يمعن أكثر فأكثر في خلق شخصيات، يحاول أن يقنعنا بأنها حقيقية، بينما هي مجرّد حلّ فني لإيصال مقولاته، حتى إن المقدّمة التي كتبها لا تشبه المقدمّات المتعارف عليها، رغم أنه وقعّها باسمه الصريح. بهذا المعنى نكتشف أن المقدمة هي جزءٌ لا يتجزأ من متن الرواية، وشخصية الفتاة الكورية “سارانغ لي”. تلميذته في جامعة نيويورك هي شخصية روائية، أرادها جسرًا بينه وبين شخصية صاحب المخطوط المفترضة. بائع الفلافل في مطعم “بالم تري”. المثقف الهامشي، الذي يتكلّم العبرية، والعربية بطلاقة. الذي كان يدرّس الأدب العبري في جامعة حيفا، ثم انتقل إلى تدريس اللغة العربية، والكتابة عن الموسيقا الشرقية في الصحافة الإسرائيلية، ذلك قبل أن يسافر إلى نيويورك، بعد موت قصة حبّه العاصفة مع “دالية” الفتاة اليهودية التي كانت تبحث عن الحقيقة، الأمر الذي سيغّير مسار حياته، بموته المأسوي بعد أن ترك وصيّةً للفتاة الكورية بحرق جثته، ومخطوطه، ونثر رمادهما في نهر “الهادسون”، في إشارة عبثية إلى أن الكلمات هي أيضًا تموت، “وتترك أنينًا نازفًا مثل الأنين الذي ينبعث من أرواحنا، وهي تتلاشى في ضباب النهاية”.

تتوالى الالتباسات، كلّما أوغلنا في قراءة النص. هل كانت سارانغ لي تحبّ أستاذها في جامعة نيويورك إلياس خوري، الذي أصبح بدوره شخصية روائية؟! أم أنها تحب الشخصية البوهيمية.. بائع الفلافل الفلسطيني- الإسرائيلي؟! ثم، لماذا حدث تنافر بين الشخصيتين في أول لقاء لهما؟ ولماذا هاجم آدم دنوّن بغضب رواية خوري (باب الشمس)، وردّ عليه الكاتب: “أنت مجرّد شخص تافه لا يعرف ما يقول”؟

لم يهتم خوري للمخطوط الذي أنقذته سارانغ لي من الحريق، ولأنها عجزت عن فك طلاسمه، لأنه مكتوب بالعربية، طلبت من أستاذها أن يقوم بالمهمة. ركنه جانبًا، ثم عاد إليه بعد سنوات، ليكتشف أنه كنز ثمين.

يقول: حسدت صاحبه، وراودني أن أسرق الكتاب، وأنشره باسمي، وبذلك أحقق حلمي في كتابة الجزء الثاني من (باب الشمس)، ثم يتحدّث عن السرقات الأدبية، ومعنى الكتابة… ويدفعنا إلى التساؤل: هل هذه الرواية هي حقًا الجزء الثاني من رواية (باب الشمس)، لماذا لا يفصح عن ذلك دون مواربة؟!

أعتقد أن المشكلة تكمن في سؤال الكتابة: لمن نكتب؟ ولماذا نكتب؟ وكيف نكتب؟

لا شكّ أنها أسئلة إشكالية، لا سيّما إذا كانت الكتابة عن رواية تراجيدية، بحجم رواية النكبة الفلسطينية، التي ما برحت ممتدة، ومفتوحة منذ سبعين عامًا. يقول: “كأن الكلمات تصير مرايا للكلمات..”، “الذاكرة بئرٌ لا ينضب، وهي تظهر وتختفي كي ننسى حين لا ننسى، أو كي لا ننسى حين ننسى. لست أدري”.

اعتمد الكاتب في جمع نثار حكاياته، على تقنية توظيف شهادات، وأعمال العديد من المؤرخين والباحثين والأدباء العرب واليهود، الذين فتح بعضهم له –كما أشار- أبواب ذاكراتهم، كي يلمّ بهذه المساحة الشاسعة من الأحداث، التي يدور معظمها في مسرح مدينة اللّد، التي شهدت شوارعها مجازر مروّعة في تموز عام 1948، لطرد سكانها، واللاجئين إليها من المدن والأرياف الفلسطينية الأخرى، ثم يتابع مصاير الناجين من تلك المجازر، بعد أن سيّج جيش الاحتلال تجمعاتهم بالأسلاك الشائكة، وأطلق عليهم اسم: سكّان “الغيتو”.. وحده مأمون كان يعرف: “الغيتو هو اسم أحياء اليهود في أوروبا”!! تقول منال بسذاجة: “وهل أصبحنا يهودًا؟!”.

الموت صمتًا:

كأن قصة الشاعر الأموي “وضّاح اليمن”، هي بمثابة مقدمة أخرى للرواية، لكنها تنطق بلسان الراوي، كي يمعن خوري بالتباساته الجميلة. مات ذلك الشاعر صمتًا في صندوق الحب، كي يحمي حبيبته “أم البنين” زوجة الخليفة الوليد بن عبد الملك، الذي دفن الشاعر حيًّا في صندوقه، حيث آثر الشاعر الصمت، ولم يدقّ جدران الصندوق، كما فعل أبطال غسان كنفاني في روايته: “رجال تحت الشمس”.

السؤال: ما علاقة وضّاح اليمن بآدم دنوّن.. أو دانون؟!

الجواب: أقصى ما يستطيع الحب هو: الموت صمتًا!!

يتكشّف التقاطع بين الخيوط الروائية، حينما أصرّت “دالية” الفتاة اليهودية التي أحبّها آدم، وعاش معها أجمل عشر سنوات من حياته، على معرفة أصوله الملتبسة. قالت: “إنها تحبّني كما أنا، وتريدني بذاكرتي كلّها، وستتزوجني، وعندما صدّقتها واستسلمتُ لموج الحبّ، تركتني لتلتحق بأحزانها، وجعلتني اكتشف موت الحبّ، فانتقلتُ من النقيض إلى النقيض، من هول الذاكرة إلى جمال النسيان، وصارت حكايات الغيتو كأنها لم تكن إلّا تمرينًا على اختراع غيتو وارسو، بوصفي ابن أحد الناجين من هناك…”. من الواضح أن الكاتب يتقصّد الالتباس بين الروايتين. الفلسطينية واليهودية!

تتناسل حكايات شخصيات “الغيتو” المروّعة، المليئة بالقهر والإذلال، وآلام الهزيمة. يعانون خلف الأسلاك الشائكة الجوعَ والعطش والمرض. يفرض عليهم جنود الاحتلال سخرة لملمة الجثث المتحللّة في الشوارع والبيوت، ودفنها، أو حرقها… حيث يكابدون من لسع الذباب الأزرق، ورائحة الموت التي تلتصق بجلودهم… ومن ثم يُساقون إلى تحميل أثاث بيوتهم، الذي أصبح من أملاك “الدولة”!!

تلك الحكايات لا نهاية لها، حيث يصبح الصمت هو الملاذ الآمن لذاكرة النسيان، كي تستمر الحياة بأقلّ الآلام، لكن ماذا عن آدم دنوّن الذي لم يعرف حقيقة قصته، إلّا بعد أن أصبح كهلًا، والتقى في نيويورك بمأمون كفيف البصر، الذي روى له كيف وجده رضيعًا فوق جثة والدته، في أحد شوارع اللد، حيث جاء به إلى الغيتو، وتبنتّه “منال” زوجة الشهيد حسن دنوّن، وشاع في الغيتو أنه ابن الشهيد، وأول طفل رضيع في الغيتو. تحكي الرواية أيضًا قصة ملتبسة عن ذلك الحب الذي جمع بين أرملة الشهيد “منال”، ومأمون الكفيف، الذي جاء لها بهذه الهدية، كي تكتمل أمومتها.

نحن إذن أمام طبقات متراكمة، وكثيفة من الحكايات، التي تحملُ في طيّاتها قضايا إشكالية حول الرواية الفلسطينية، واليهودية. هل الفلسطيني هو ضحية الضحية، أم المسألة أعقد من ذلك بكثير؟!

لا يريد الكاتب لفلسطين أن تصير نصًا منزهًا عن شرطها التاريخي الراهن.

“لأن لا شيء يدوم سوى العلاقة بأديم الأرض التي منها جاء اسم آدم”. في إشارة إلى علاقة الإنسان بموته!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق