تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

“العلاقات العربية – الأوروبية” باكورة أعمال المركز العربي في باريس

شهدت العاصمة الفرنسية باريس، يوم الأربعاء الفائت، الإعلان عن تأسيس (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات)، بحضور كوكبة من المفكرين والمثقفين والباحثين والأكاديميين العرب والفرنسيين.

في هذا الموضوع، قال سلام الكواكبي، مدير المركز، في كلمةٍ له: “جاء هذا المركز للمساهمة في إنتاج ونشر معرفة علمية من العالم العربي، ولخلق مركز خبرة حول العالم العربي يضم باحثين غربيين وعربًا”، وهو يطمح إلى “توفير مكان مفتوح للحوار والتفكير، بإمكانه استقبال أحداث علمية وثقافية، وكذلك خلق شراكات مع مراكز بحثية ومؤسسات تعليمية عليا، في أوروبا والعالم العربي”. وأكد أن “المركز هو جمعية مستقلة للبحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية، لا ترتبط بحزب سياسي ولا بمنظمة دينية”، وأن “المقر الرئيس للمركز سيفتتح قريبًا، وسيكون متاحًا أمام الباحثين العرب، لمتابعة نشاطاته”.

أعقبَت كلمة الكواكبي الترحيبية، كلمةٌ للباحث الفرنسي فرانسوا بورغا الذي عمل في مراكز فرنسية بالعالم العربي مدة طويلة، عبّر فيها عن سعادته بالانضمام إلى (المركز العربي) الذي “سيحقق، مع مراكز علمية أخرى، طموحات علمية مشتركة”. واعتبر أن “هذه الخطوة تكملة لمشواره العلمي، عبر المشاركة في جهود قادمة من العالم العربي، من أجل تشجيع المعارف العقلانية، لكل الرهانات المرتبطة بالحياة السياسية والثقافية بين منطقتينا”.

تلا ذلك، كلمة للمفكر اللبناني طارق ميتري، قدّم فيها جردًا تاريخيًا للحظات المهمة، في تاريخ العلاقات العربية الأوروبية، إلى يومنا الراهن. ونبّه إلى “مواقف فرنسا التي حاولت جرّ نظرائها الأوروبيين إلى علاقات أكثر توازنًا مع العالم العربي”.

في إطار نشاطات المركز الفكرية والأكاديمية الهادفة إلى تسليط الضوء على القضايا العربية الراهنة والعلاقات بالآخر، عُقد مؤتمر بعنوان (العلاقات العربية الأوروبية في الوقت الراهن) تضمن أربع جلسات حوارية، حملت الأولى اسم (أوروبا ورهانات الانتقال الديمقراطي في العالَم العربي)، تم الحديث فيها عن دور الاتحاد الأوروبي في الانتقال الديمقراطي الذي شهدته المنطقة العربية.

تحدث غيوم كلوسا، مؤسس (أوروبا-نوفا) ورئيس حركة (سيفيكو أوروبا) عن المحطات العنيفة الخمس التي مرّ بها الاتحاد الأوروبي بدايةً عندما فشل في استفتاء 2005، الذي أصاب أوروبا بالشلل، بعد أن كانت حلمًا ونموذجًا في العالم العربي وروسيا والصين. وثانيًا الأزمات الاقتصادية التي أضعفت التضامن الأوروبي، وثالثًا استغلال روسيا للانتخابات الأميركية، من أجل اجتياح جورجيا ولاحقًا أوكرانيا، ورابعًا الأزمات المتعلقة بالهجرة، سواء بسبب المناخ أو اللجوء، وأخيرًا الـ (بريكست) الذي وجدت فيه أوروبا نفسها لأول مرة في حالة تقلّص، بعد أن كانت في حالة تمدد.

الباحث أحمد حسين طرح في ورقته البحثية التي حملت عنوان (الاتحاد الأوروبي والمنطقة العربية: الأمن ضد الديمقراطية) فرضيتين: الأولى أن الاتحاد الأوروبي يفاضل بين تعزيز المصالح الأمنية داخل حدوده وخارجها، وبين نقل المعايير السياسية والاجتماعية خارج حدوده. أما الثانية فهي أن دعم الاتحاد الأوروبي للانتقال الديمقراطي وتحقيق حقوق الإنسان، هو وسيلة لتعزيز الاستقرار الداخلي للاتحاد الأوروبي.

عقب ذلك، قدّم محمد المصري، المدير التنفيذي لـ (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات) عرضًا لنتائج المؤشر العربي حول الديمقراطية، وتوجهات الرأي العام العربي نحو السياسات الخارجية للقوى الغربية، التي قالت إن وجهة نظر المواطن العربي، تجاه السياسات الأميركية والإيرانية والروسية، سلبية جدًا، فيما عبّر 46 في المئة فقط عن رضاهم عن السياسة الفرنسية تجاه سورية وفلسطين وليبيا.

تناولت البحوث المقدمة في الجلسة الثانية دراسات حالة حول السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، في كل من تونس ومصر وسورية، وتأثيرها في العملية السياسية في هذه البلدان. وقدمت الباحثة والأكاديمية التونسية أسماء نويرة ورقة عن دعم الاتحاد الأوروبي للتجربة التونسية، على الرغم من البطء الذي اتسم به هذا الدعم، بسبب تعقيد عملية صنع القرار داخل الاتحاد الأوروبي، بتوخيه سياسة الانتظار حتى تتضح الرؤية بخصوص الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.

في المقابل، تحدث السياسي المصري وأستاذ القانون محمد محسوب، عن الدور السلبي للاتحاد الأوروبي تجاه الثورة المصرية، المعاكس للدور الإيجابي الذي لعبه في الثورة التونسية، مستشهدًا برفض صندوق النقد الدولي منح حكومة الرئيس محمد مرسي قرض 4.5 مليارات دولار، في مقابل منح حكومة السيسي 12 مليار دولار.

وكان للملف السوري نصيب خلال الجلسة الثانية، من خلال ورقة بحثية بعنوان (الاتحاد الأوروبي في سورية، بين الدبلوماسية والعقاب) قدمتها الباحثة مانون – نور طنوس واستعرضت خلالها حزمة العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على شخصيات وكيانات مقربة من النظام السوري. ورأت أن للأوروبيين ورقة مهمة في سورية، خاصة بعد أن طالبهم بوتين بالمشاركة في إعمار سورية، وهو ما يربطه الأوروبيون ببدء مسار انتقال ديمقراطي حقيقي، لا يستثني أحدًا.

الجلسة الثالثة من المؤتمر حملت عنوان (اقتصاد وتنمية وقضايا متعلقة بالهجرة)، وتحدث فيها جان -فرانسوا داغوزان، الأكاديمي ومدير مجلة (مشرق مغرب)، عن “العلاقات الاقتصادية بين أوروبا والبلدان العربية: مفارقات وتناقضات”، حيث دافع داغوزان عن فكرة “التبعية المتشابكة”، أي عن الروابط المتشابكة، مع مراعاة مواجهة التفاوتات، التي تؤدي إلى العنف، ليس فقط بين الدول بل داخل الدول. وأعاد التأكيد على “عدم وجود سياسة عربية في أوروبا”.

من جانب آخر، أكد الباحث يونس بلفلاح أن “الانتقال الديمقراطي الذي يشهره الغرب، أحيانًا، في وجه الدول العربية، لا يزال طويلًا في المغرب، بكل ما يرافقه من استمرار سياسة الفساد في البلد”، مشيرًا إلى أن “بعض الإنجازات والمشاريع الكبرى التي أنجزتها الحكومة المغربية، كانت إرضاءً لفرنسا فقط، على حساب أمور أكثر أهمية وإلحاحًا.

وفي ورقة بحثية بعنوان (أي دور لأوروبا في إعادة إعمار سورية)، تحدث الباحث جهاد اليازجي عن الكلفة الباهظة لهذه العملية، التي تراوح ما بين 200 و400 مليار يورو، وعن عدم امتلاك النظام السوري استراتيجية واضحة في هذه المسألة، وأن الدول الغربية لن تشارك في إعادة الإعمار، لأنها خسرت الحربَ، في حين انتصرت روسيا وإيران، مشيرًا إلى تقديم الإيرانيين 50 ألف برميل نفط يوميًا للنظام لمساعدته في دفع مرتبات موظفيه، وأنها ستُضاف إلى ديون الإيرانيين على سورية، وهو ما تحاول الولايات المتحدة وقفه.

قدّم اليازجي عدة مقترحات، منها مواصلة الدعم الإنساني للشعب السوري، وعدم التعامل المالي مع النظام ومع السلطات المحلية المنتخبة والعميلة للنظام، التي يقودها زعماء حرب سابقون. وطالب أيضًا بالاستثمار في القطاع الزراعي، من أجل تثبيت السكان في مناطقهم، وبتمويل البنى التحتية كالكهرباء والماء، وإعادة بناء بلدات سورية، كداريّا والقصير، شريطة عودة المهجرين واستعادتهم أملاكهم.

وانتهت الجلسة الثالثة بكلمة لـ يوسف كرباج، فنَّدَ خلالها كثيرًا من المغالطات عن سوء اندماج العرب، مُبينًا أن “العرب أكثر انفتاحًا من الأتراك، كما أنهم أكثر تمدرسًا من الأتراك والبرتغاليين، واستطاعوا تغيير الذهنيات في بلدانهم الأصلية، كحصول النساء على حقوق إضافية في مدونة الأسرة المغربية، والمساهمة في نشر ثقافة تنظيم الأسرة والحد من النسل.

خصصت الجلسة الرابعة من أعمال المؤتمر، لدراسة القضية الفلسطينية التي تقع في صلب العلاقات العربية – الأوروبية. تحدث فيها الباحث بشارة الخضر عن مسؤوليات الدول الغربية، في ما حصل في فلسطين، ومن بينها بريطانيا ووعد بلفور، والهولوكوست الذي دفع الفلسطينيون بسببه ثمن ما حصل لليهود في أوروبا، إضافة إلى مساندة عدد من الدول الأوروبية للكيان الصهيوني في المحافل الدولية.

وقدّم المؤرخ دومينيك فيدال ورقة بحثية بعنوان (التحالفات التي ربطتها إسرائيل مع القوى الشعبوية واليمين المتطرف: عقبة جديدة أمام السلام) تحدث فيها عن تعزيز اليمين الإسرائيلي الحاكم علاقاته مع أحزاب وأنظمة سياسية في أوروبا الشرقية، البعض منها معاد للسامية. وأوضح أن “الكثير من الأحزاب اليمينية والشعبوية الأوروبية ترى في التطرف الإسلامي وفي الإسلام عامة خطرًا يفوق العداء الذي يمكن أن تشعر به تجاه اليهود”. وقام الباحث جان-بول شانيولو باستعراض مختلف مراحل الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية حتى اليوم. وأشار إلى أن “حل الدولتين وإقامة دولة واحدة، قد يعزز فكرة ظهور دولة كولونيالية تقوم على التمييز، بعيدًا عن الديمقراطية”.

اختتمت الجلسة الرابعة بمحاضرة ألقاها برتراند بادي أكد في بدايتها أنّ من غير الممكن تحليل النظام الدولي من خلال الاكتفاء بالنظريات التي صاغها الغرب، وتشكل ركيزة أساسية في تفسير القوى المحركة الخاصة بالسياسة الدولية، في فهم النظم الإقليمية وتشكل الهوية. وطالب بضرورة طيّ صفحة الماضي في العلاقات الأوروبية – العربية، والبدء بتأسيس علاقات جديدة بعيدة عن التصورات السابقة التي استندت إلى نظريات العلاقات الدولية التي صيغت في الشمال، من أجل فهم الجنوب.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق