كلمة جيرون

منافقون

في البادية السورية وغيرها، يُسمّون الذين ينافقون لشيخ العشيرة، بتزلُّفٍ مبالغ فيه، ويصفقون له كمهرّجين، ويستحسنون كلامه مهما كان تافهًا، ويؤيدون أفعاله سواء أكانت خيرًا أم شرًا، يسمونهم “كلاب الشيخ”. وعلى الرغم من المَلَكة اللغوية الكبيرة لسكّان البادية، ومهارتهم الشعرية والنثرية والتعبيرية، بما فيها من تورية وكناية وتضمين للمعاني، والتفاف على الكلمات، فإنّهم -في هذه المسألة بالذات- “غمّسوا في الصحن” مباشرة، وسمّوا الأمور بمسمياتها، وهم على ذلك مشكورون.

في الدول الإسلامية، يُسمّون “رجال الدين” الذين ينافقون للزعيم ويؤلهونه، على وضاعته، ويضفون عليه صبغة من الورع والتقوى، على فجوره، ويُفسّرون الدين حسب أهوائه، ويُحرّفون تعاليم الرب وفق رغباته، يسمونهم “شيوخ السلطان”، والناس هنا، ربما خوفًا من بطش الزعيم وأزلامه، لم “يُغمّسوا في الصحن”، بل سمّوا الأمور بمواربة.

في الأنظمة التي لا تعرف الديمقراطية ولا القانون، وتعيش على المحسوبيات والتمييز، يُسمّون كل من يتزلف إلى رئيسه أو مديره بما لا يستحق، ويكذب ويزور الحقائق من أجل رضى هذا الرئيس، ويبيع مبادئه ومشاعره وأحيانًا يبيع ما هو أكثر من ذلك، يسمّونه “المنافق” أو “ذو الوجهين”، وهم يُطلقون تسمية أدبية مخففة هذه المرة؛ كي يتفادوا ألف نوع من الشرور.

كثيرون يعتقدون أن مثل هذه التسميات، هي مجرد تسميات رمزية، وكنايات أدبية، وجمل مجازيّة، إلا أن الواقع السوري أظهر للعيان كل هذه المفاهيم، فبطانة النظام السوري تعجّ بـ “كلاب الشيخ”، وردهات القصور تمتلئ بـ “شيوخ السلطان”، ومؤسساته الأمنية والمدنية تمتلئ بـ “المنافقين”.

في سورية، ثمة جيوش من الفنانين والكتّاب، والسياسيين والباحثين والاقتصاديين، ورجال الدين والقانونيين والتكنوقراطيين، هم “كلاب شيخ” و”شيوخ سلطان” و”منافقون”، لا أملَ يرتجى منهم، ولا شفاء يؤمل لهم، فمن شبّ على شيء شاب عليه.

في سورية، جيوش ممن أغلقوا نوافذ عقولهم، لا يريدون أن يفهموا أن “الاستبداد يقلب الحقائق في الأذهان، فيسوق الناس إلى اعتقاد أن طالب الحق فاجر، وتارك حقه مُطيع، والمُشتكي المُتظلم مُفسِد، والنبيه المُدقق مُلحد، والخامل المسكين صالح، ويُصبح النُّصْح فضولًا، والغيرة عداوة، والشهامة عتوّا، والحميّة حماقة، والرحمة مرضًا، كما يعتبر أن النفاق سياسة والتحيّل كياسة والدناءة لُطْف والنذالة دماثة”، كما قال عبد الرحمن الكواكبي.

في سورية، جيوش ممن ركعوا بين يدي الجلاد، لا يعرفون معنى الحرية ولا قيمة الكرامة، بل يفرّون من ذكر أي قيمة إنسانية سامية، ركزوا عيونهم إلى السفوح، ونسوا كيف تُرفع الرؤوس لترى القمم، وأخذوا يستمرئون الذل والهوان ويستمتعون بتعذيب ذاتهم، فعبدوا جلّادهم، وأمدّوه بدمائهم، ليورّثوا أبناءهم عبودية سيّدٍ يجلدهم في المستقبل.

لا تنتظروا من أولئك الذين اعتادوا النفاق وأدمنوا الذلّ، اعتذارًا ولا صحوة ضمير، ولا تنتظروا يقظة متأخرة من بَعد سُبات، لأن توبة المنافق في حد ذاتها ستكون نفاقًا آخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق