ترجماتسلايدر

الماركسية المبتذلة لـ “كَهنة” الشرق الأوسط

بالنسبة إلى الناشطين السياسيين في العالم الإسلامي، الأمرُ ليس الاقتصاد فقط، يا غبي

الصورة: الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتسوق في مدينة سافرانبولو في البحر الأسود في الأول من كانون الثاني/ يناير 2005. (حقان غوكتيبي/ وكالة الصحافة الفرنسية/ صور جيتي)

منذ سنوات مضت، أيامَ كنت طالب دراسات عليا، اعتدت أن أُدعى بانتظام إلى محاضرة مع عشاء فاخر، تُقام سنويًا في كلية وارتون للأعمال بجامعة بنسلفانيا. عادة أقبل الدعوة، ولكن عندما يأتي الليل كان عليّ أن أسحب/ أجرجر نفسي هناك. كانت المحاضرة تقطع دائما روتين دراستي، حيث أضطر إلى ارتداء بدلة رسمية وأكل لحم الدجاج القاسي، وكان آخر ما أردت القيام به هو المشاركة في محادثة صغيرة، عندما كان يجب أن أقرأ.

في إحدى السنوات، شارك في المحادثة الصغيرة شخصٌ تبيّن أنه عميد كلية وارتون، وعندما علِم أنني طالب دكتوراه في العلوم السياسية وذو اهتمام بحثي في الشرق الأوسط؛ استمر في الحديث لبعض الوقت مؤكدًا أنه إذا كان هناك فقط التنمية الاقتصادية في المنطقة، فكل الأمور ستكون بخير. كنتُ قد سمعت هذه الحجة مرات عديدة من قبل، وعندما سألني العميد عن رأيي، سمحتُ لنزقي بأن يُخرج أفضل ما لديّ. قلت له مازحًا: “آه حسنًا، الأماكن الوحيدة الباقية في العالم، التي ما تزال الماركسية فيها على قيد الحياة، هي في كليات إدارة الأعمال في الولايات المتحدة”. نظر إليّ العميد بحدة، بينما كنت أوضح أن كارل ماركس اعتقد أن هناك سببًا اقتصاديًا أساسيًا لكل ظاهرة سياسية، والكثير من الأميركيين -ليس فقط أساتذة الأعمال، بل صانعو السياسة أيضًا- بدوا سعداء لارتكاب نفس الخطأ.

حلّ موقفي الساخر مشكلة واحدة، حيث لم تتم دعوتي مرة أخرى إلى تلك المحاضرة والعشاء. لكنه خلق نوعًا من الهوس. أنا الآن في عقدي الثاني من محاولة التغلب على التحليل الكسول، خاصة للشرق الأوسط، من خلال/ بواسطة الحتمية الاقتصادية. على الرغم من كثرة الأدلة، فإن فكرة أن الناس -سواء في مصر أو إسرائيل أو تركيا أو تونس أو الولايات المتحدة- يتخذون خيارات تعتمد فقط على ما هو في محافظهم، لن تختفي.

في الآونة الأخيرة فقط، اكتشف روبرت سامويلسون، الذي يكتب عن الاقتصاد في صحيفة واشنطن بوست، أن الأمر، عندما يتعلق بصعود السياسة المعادية للمؤسسات، “لا يقتصر على الاقتصاد، يا غبي!” [عنوان مقالة ترجمتها جيرون] لقد كان من دواعي سروري أن أقرأ شيئًا يُثبتَ صحة تذمري، ولكن مع ذلك، فإن عنوان سامويلسون لم يحقق الغرض بشكل صحيح. يجب أن تُعنون مقالة سامويلسون -وبالتأكيد أي مناقشة للثورات حول العالم العربي- “إنه ليس الاقتصاد فقط، يا غبي”.

من الصعب عدم ملاحظة أوجه التشابه، بين المطالبة الشهيرة بـ “الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية”، التي ظهرت خلال الانتفاضة المصرية عام 2011، وانتقاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لنظام سياسي مُزور أدى إلى تقويض الثقافة الأميركية والحياة الاقتصادية. أنا لا أقول إن المطالب المصرية بمجتمع أكثر عدلًا وعمومية وانفتاحًا هي نفسها مثل نقد الرئيس الغاضب والمنتقم للمؤسسة الأميركية. لكن سطوع ما يريد المتظاهرون في ميدان التحرير أن يبنوه، وظلمة أهداف أتباع ترامب بتمزيق الأشياء، مرتبطان من حيث إنهم يربطون بين الكرامة والسياسة والاقتصاد، بطريقة لا يمكن فصلها بسهولة.

ومع ذلك، يبدو أن مجتمع سياسة الولايات المتحدة كان بطيئًا بشكل عام، في إدراك أوجه القصور في السياسات القائمة على الحتمية الاقتصادية غير الناضجة/ المدروسة جيدًا. وأسباب ذلك واضحة (هناك حاجة واضحة إلى التنمية الاقتصادية في الشرق الأوسط) ومملّة (موظفو الخدمة الخارجية لديهم شعور جيد بما يجب عليهم فعله لمساعدة الدول على تطوير اقتصاداتها). ثم هناك قضية الاستقرار التي تستهلك وتشغل الكثير. خصص المسؤولون الأميركيون موارد للتنمية الاقتصادية في البلدان الصديقة في المنطقة، ليس بالضرورة بسبب الإيثار/ الغيرية، بل لأنهم يميلون إلى الاعتقاد في نظرية “السعادة والأكل الجيد/ السمنة” في السياسة. إذا استفاد الأشخاص من النظام، فمن غير المرجح أن ينتفضوا ضده. من جانب، هذا ليس صحيحًا دائمًا. إن تونس ومصر وليبيا وسورية هي حكايات تحذيرية للبلدان التي عانت من النمو (غير المتكافئ) وأصبحت غير مستقرة.

لقد أدرك المحللون أن الافتراض الضمني لمقولة “إنه الاقتصاد، يا غبي” معيبٌ. لكن التحيز بين صانعي السياسات ما يزال قائمًا. خذ على سبيل المثال حالة تركيا في ظل حزب العدالة والتنمية. لقد نجح الرئيس رجب طيب أردوغان مدة طويلة لأنه، مثل ترامب، لديه رؤية تشمل طيفًا واسعًا من القضايا، بالإضافة إلى الرخاء. وبالطبع، ساعد ذلك تركيا في تحقيق نمو اقتصادي كبير، خلال جزء من العقد الأول من القرن الحالي. إلا أن العناصر الأخرى في أجندة حزب العدالة والتنمية التحويلية/ الجذرية -وهي السماح للناس بأن يعيشوا هوياتهم الدينية بحرية أكبر، وتأسيس تركيا كقوة إقليمية ذات طموحات أوسع، وقومية لا تقبل المساومة، على سبيل المثال لا الحصر- كانت حاسمة أيضًا لنجاح الحزب طويل الأمد. ومع ذلك، تميل واشنطن إلى رؤية اقتصاد تركيا كأساس لهيمنة أردوغان. تشير التقارير المتتالية من دائرة أبحاث الكونغرس في الولايات المتحدة إلى نمو الاقتصاد، باعتباره السبب الرئيس وراء نجاح حزب العدالة والتنمية.

مع تباطؤ الاقتصاد التركي خلال عام 2018، فكّر الصحفيون والمحلّلون في احتمال حصول أردوغان على ضربة سياسية في الانتخابات الرئاسية في حزيران/ يونيو الماضي، لكنه فاز بنسبة 52.6 في المئة من الأصوات، وهو هامش أفضل قليلًا من انتصاره في عام 2014. عندما اتجهت الليرة نحو الانهيار في آب/ أغسطس، لم تضعف قبضة أردوغان على البلاد. وبدلًا من ذلك، لجأ إلى الهوية والدين والكرامة الوطنية لإحباط منطق السوق وتجنب المسؤولية عن الفوضى. لا يزال خصوم أردوغان في تركيا يتوقعون أن يؤدي الاقتصاد إلى تراجع الزعيم التركي، وعندما انخفضت الليرة خلال الصيف، كان هناك قلق في واشنطن، في وول ستريت، وفي الصحافة من أن سوء الإدارة الاقتصادي الأخير سيؤدي إلى عدم الاستقرار في تركيا وخارجها. إنه مثال كلاسيكي على أصحاب النزعة الحتمية الاقتصاديين الذين لا يقدرون قوة الأفكار.

المثال المضاد لتركيا هو مصر حسني مبارك. لقد تجاوز إفراط كل من جمال عبد الناصر وأنور السادات واستمر، لذا فقد راهن على أرضية متوسطة. خلال العقد الأخير من حكمه، دعا مبارك المصريين إلى حماية “الاستقرار من أجل التنمية”. من وجهة نظر صانعي السياسة الأميركيين في ذلك الوقت، حقيقة أن مبارك عيّن فريقًا للسياسة الاقتصادية، من مُصلحين تمّ تمكينهم بأن اتباع سياسات النيوليبرالية، هي تطورٌ إيجابي يضع مصر في النهاية على مسار النمو والاستقرار المستدامين. قد يكون هذا مُرضيًا من الناحية المادية لأولئك الذين استفادوا من الخصخصة، وسعر صرفٍ أكثر مرونة، وبيئة استثمارية أكثر تسامحًا، ولكن لم يكن هناك ما يُرضي من الناحية العاطفية في الدعوة من أجل الاستقرار. إن فشل مبارك في صياغة مستقبل إيجابي، وأخلاقي، نشيط يمكن أن يؤمن به المصريون، يعني أنه كان من الصعب حشد أي شخص للدفاع عنه، عند ظهور أول مشكلة. الناس الذين يخبرونك بأن الاقتصاد ذو أهمية قصوى كانوا يتوقعون نتيجة مختلفة.

تقريبًا كل شخص أعرفه في المجتمع الأكاديمي يصرخ عن دراية، في أي وقتٍ يعلن فيه شخص ما أن “الأفكار مهمة”، لكن هذا التوافق لا يترجم بسهولة إلى سياسة. كيف يمكنك إخبار مسؤول خدمة أجنبي بالترويج/ الدعم للكرامة ورؤية إيجابية للمستقبل؟ بصفتنا مجموعة موهوبة مثل الدبلوماسيين الأميركيين، فإن هذا ليس شيئًا هم جاهزون للقيام به. ليس بالضرورة أن يقوموا بذلك من مكانهم. ومع ذلك، فإن فهمًا أفضل للتفاعل الديناميكي بين الاقتصاد ونوعية السياسة والكرامة سيخدم الجميع. بهذه الطريقة، في المرة التالية التي يثور فيها العرب، ويطالبون بـ “الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية”، سنعرف أن التنمية الاقتصادية ليست هي الشيء الوحيد الذي يريدونه.

اسم المقالة الأصلي

The Vulgar Marxism of Middle East Punditry

الكاتب

ستيفن كوك،STEVEN A. COOK

مكان النشر وتاريخه

فورين بوليسي،FP، 26/11

رابط المقالة

https://foreignpolicy.com/2018/11/26/the-vulgar-marxism-of-middle-east-punditry/

عدد الكلمات

1110

ترجمة

وحدة الترجمة والتعريب/ أحمد عيشة

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق