تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

تمثال الطاغية وكابوس يوسف العظمة

بعد اجتياح قوات سلطة بشار وحلفائها للمدن السورية، كان الهم الأول والأساس لأجهزتها العسكرية والأمنية، بقرارات من أعلى السلطات، إعادة زرع تماثيل الطاغية الأب، عند مداخل المدن أو في ساحاتها. والسخرية الكبرى، التي استوقفت العالم أمام هذا الإجراء، أن الحديث عن إعادة إعمار سورية لم يُغادر ميدان الدعاية والإعلام، ولم يكن الهدف منه سوى تسول الأموال من دول العالم، بينما سارعت أدوات السلطة إلى ترميم تماثيل حافظ الأسد التي دمرها السوريون في الأشهر الأولى لثورة الحرية، أو إعادة إنتاج ما أُجهز عليه تمامًا على يد المتظاهرين السلميين، وبعض تلك التماثيل التي أعيد زرعها كانت أجهزة السلطة قد بادرت إلى رفعها من أماكنها قبل أن يصيبها الدمار، كما هو حال تمثال الطاغية الكبير في مدينة حماة.

هذا الجنون في تقديس تمثال الطاغية، وفي الإصرار على إعادته بعد ترميمه أو إعادة تصميمه، بدأ مع انقضاض حافظ الأسد على السلطة عام 1970. ولأن عار الاستسلام في حرب حزيران/ يونيو أمام العدو الإسرائيلي، وتسليم الجولان بلا قتال، بقرار من وزير الدفاع حينذاك (حافظ الأسد) كان أول إدانة للطاغية قبل انقضاضه على السلطة، ولإعادة تقديمه للملأ كرمز تاريخي كبير؛ جاء احتلال الفضاء السوري برمته لترسيخ صورة الطاغية، كبطل، وصانع للتاريخ، فامتلأت الصحف والكتب والمطبوعات بصوره، ونظمت القصائد، وصنعت الشعارات والعبارات التي تردد اسمه وتمجده إلى درجة التأليه.

وفي غضون ذلك، عمدت أجهزة السلطة إلى محو ذاكرة السوريين، وما تختزنه من وقائع وأحداث عن تاريخهم الوطني، وكل ما يرسخ في تلك الذاكرة من أحداث بطولية، ومن رموز حاضرة أبدًا في حياتهم.

ولا بدَ أن الطاغية الأب يحمل في أعماقه عقدة تاريخه القريب، وهو في موقع “وزيرالدفاع” الذي شغله كمنصب قبل احتلال السلطة، ومن ذلك المنصب “جسَّد” أسوأ تجربة لأزمته، ما زالت تُلازم سلطة وريثه، حين قام بإصدار أوامر الانسحاب من الجولان، وترك الطريق إلى دمشق سالكًا أمام قوات الاحتلال الإسرائيلية، لو أرادت ذلك.

حين أسقط الطاغية الجولان من دون مقاومة، ورفض رأي أركان القوات المسلحة الذين طالبوا بذلك، كان تمثال وزير الدفاع السوري الأول: الشهيد يوسف العظمة، ينتصب بقامته العالية، في ساحة أركان الجيش السوري، وفي الجهة الغربية منها، في ساحة الأمويين. ويرمز ذلك التمثال إلى مأثرة وطنية كبرى، لوزير دفاعٍ فضَل المقاومة، على الرغم من فقدان الإمكانات البشرية والتسليحية واللوجستية، التي تمكن من منع دخول الجيش الفرنسي إلى دمشق قادمًا من الحدود اللبنانية، ودفع حياته من أجل تجسيد الروح الوطنية، وأصبح رمزًا تاريخيًا لسورية الحديثة، وتقديرًا لبطولته، ولرفعه شأن الكرامة الوطنية، حتى بمعركة خاسرة أمام جحافل أحد أقوى جيشين في العالم آنذاك، قام عدد من السوريين في المهجر بالتبرع لإشادة نصبٍ له يخلد ذكراه، بما تحمله من اعتزاز بوطنية السوريين الذين أنجبوا رجلًا كيوسف العظمة.

لم يكن كابوس يوسف العظمة على روح الطاغية الأب، مقتصرًا فقط، على ما حققه من ثبات وبطولة في معركة ميسلون، إنما المكان الذي يرتفع به نصب وزير الدفاع الأول، هو ذات المكان الذي انطلق منه حافظ الأسد نحو احتلال السلطة. كان التمثال في مقر هيئة الأركان السورية ووزارة الدفاع.

مع أن الطاغية وأدواته كانوا يشعرون بدونيتهم حيال كل رمز في تاريخ سورية، وبذلوا كل جهدهم لمحو أثر تلك الرموز، بالصورة والكلمة والتماثيل وتسميات الشوارع والساحات والمستشفيات والمدارس والجامعات والحدائق وصالات الرياضة والمنشآت الإنتاجية، بأسماء الطاغية وابنه الأكبر باسل، لكن عقدة “وزير الدفاع” المفرّط والمستسلم، كانت تجثم كابوسًا ثقيلًا على عقل ونفسية الطاغية، حين يرى تمثال وزير الدفاع المقاوم، يوسف العظمة، يحتل فضاء ساحة الأركان، في مقرها الجديد، بعد أن كان التمثال في المقر القديم، عند بوابة الصالحية.

استغل حافظ أسد التدمير الجزئي المحدود لمبنى الأركان في حرب 1973، ليزيل التمثال من مكانه (ساحة الأمويين)، بذريعة جاءت على ألسنة رجالات مخابراته، تدّعي أن التمثال تم إنزاله للتمكن من “ترميم مبنى الأركان” ثم إعادته إلى مكانه.

غاب تمثال يوسف العظمة عن ساحة الأركان سنوات طويلة، ليعود إلى ساحة بوابة الصالحية (ساحة المحافظة)، وبقي برمزيته الوطنية مزعجًا للطاغية، خاصة في وقفته الشامخة، وهو يرفع سيفه، بما ترمز له تلك الوقفة من كرامة ورجولة. وكان آخر انتقام أقدمت عليه سلطة المافيا الفاشية، أن ادعت حدوث ضرر على التمثال استدعى ترميمه، وحين أعادوه بعد “الترميم المزعوم”، أسقطوا من يده السيف الذي يشهره، وظهر التمثال “وديعًا” تغيب عنه معاني القوة والتحدي والمقاومة، والأكيد أن رغبة الطاغية الأول ثم وريثه في الطغيان، هي محو أثر يوسف العظمة بشكل نهائي، لكنهم فضلوا النيل منه على مراحل، وكأن بقاءه شامخًا متحديًا يدين تخاذلهم في الدفاع عن سورية، رغم الضخ الكلامي الهائل عن “وطنيتهم” وحمايتهم للوطن!

دونية الطاغية هي المصدر الرئيس لهذا الإصرار على زرع التماثيل، وكلّ ظنهم أنهم يملكون تاريخ سورية، فلا قبله ولا بعده، فمحو كل أثر للماضي وما ينطوي عليه من مواقف مجيدة لرجالات أنجبتهم سورية، وظيفة تزاولها سلطة الخراب والدمار، لإلغاء كل أثر ملهم لروح الشعب، ولاحتجاز إرادة السوريين في وضعية الركوع أو الانبطاح تحت أقدام الطاغية، ولو كان تمثالًا، متوهمين باستعادة الروح المعنوية للاستبداد، بعد أن بددتها ثورة الحرية، وسحقتها برمزية إزالة المتظاهرين للتماثيل بعد تحطيمها.

لقد سقطت تلك التماثيل تحت قبضات السوريين وأقدامهم، وفقدت سلطتها المعنوية بزرع الخوف لانتزاع الاحترام، ولن تعيد رفعها الروح المتوخاة وراءها، وهي إخضاع الشعب بالرعب والخوف والبطش. لقد سقطت إلى الأبد سلطة الخوف، وإن بقيت سلطة الطاغية إلى حين، وسيبقى الطاغية على حالته الدونيته، وإنْ زرَع مئات التماثيل البغيضة والمقززة. أما تاريخ سورية ورجالها المفعمين بالكرامة، فهو الباقي كابوسًا ضد الطغيان.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق