مقالات الرأي

الرعاع والخطر

من شيمة الكتابة النظرية النقدية، حين تكون عن ظاهرة ما، أن لا تكون منصبّة على فرد بعينه، بل تنتقل من الجزئي إلى الكلي، والانتقال من الجزئي إلى الكلي يسمح لنا بالعودة من الكلي إلى الجزئي، لأن الكلي هنا يُصبح منهجًا في التفكير. فما كان لمفهوم التطور أن يتحول إلى منهج في التفكير، دون النظر إلى الكائنات الحية المتعين في الواقع، وقس على ذلك.

نحن حين كتبنا عن المثقف الوطواط في مجلة (النقاد)، لم نكن نقصد شخصًا بعينه، بل كان الحديث عن ظاهرة، وقس على ذلك حين كتبنا عن النقد الرعاعي في صحيفة (جيرون)، فإننا لم نتحدث عن شخص معين، بل عن ظاهرة.

فنحن نُجرِّد صفة عامة يشترك فيها مجموعة من الأفراد، ثم نعرضها على الورق عن طريق التعميم النظري، فيكون النص عامًا ينطبق على الأفراد، لكنه ناتج عن وجود الصفة المشتركة بين الأفراد الذين جرَّدنا منهم الصفة الجوهرية.

الآن، إذا قرأ شخص ما نصّنا النقدي، ورأى ذاته في النص، وظن أنه هو المقصود، وراح يشتُمنا، فهذا ليس ذنب النص، بل ذنب هويته التي رآها في النص.

وهذا ما حصل مع نصنا “المثقف الوطواط”، وما حصل مع نصنا “الشبيح”، ومع نصنا “الإسلاموية العنفية وصرخة البجع”، وما يحصل مع نصنا “النقد الرعاعي”، وغيرها من النصوص.

فإذا بأسماء من الوطاويط والرعاعيين الأصوليين العنفيين والشبيحة يتكدّر خاطرهم، دون أن نعرفهم أصلًا، ولَم يخطروا على بالنا، وليس لهم أي مكان في ذاكرتنا.

لأنهم رأوا صورهم في نصنا، ظنوا أننا نقصدهم بالذات؛ فأظهروا بسلوكهم ما هو معروض في النص، فلم يُقدّموا أنفسهم على نحو متجاوز، وبهذا أكدوا صحة فكرة النص المجردة العامة بواقعة عينية، وهنا تبرز أهمية النصوص التي كتبناها على النحو النقدي العام.

نحن حين نُعاين الظاهرة، ونجرد صفتها الماهوية، لا نتذكر أفراد الظاهرة، ولا نعرف جميع الذين تنطبق عليهم الصفة الماهوية التي جردناها، ويسعدنا جدًا حين يُعلنوا عن أنفسهم، فنتعرف إلى ما لم يكن في الحسبان.

هل هذا يعني أن نقد فرد بعينه ليس مهمًا، وليس مطلوبًا، ولا يستحق نقدًا خاصًا؟

بالطبع، لا. ولكن نقد الأفراد يجب أن ينصب على فرد ذي أهمية خاصة، وحضور قوي في الحياة، وذي تأثير قوي في تشكيل الوعي، ولديه زاوية رؤيا قابلة للنقد، وتستحق النظر والتأمل.

والنقد هنا لا يعني أبدًا القدح والذم والسب، بل ممارسة الاختلاف مع من ومع ما هو جدير بالاختلاف، وكشف ما وراء النص من حيث الأفكار المسكوت عنها، لهذا كانت لنا نصوص نقدية لنصوص العظم والجابري والعروي ومرقص ونصار ومهدي عامل وآخرين، فهؤلاء ظواهر فكرية فريدة، توافقت معهم أم اختلفت، ويستحقون النقد والحوار.

أما الرعاع من كل الأصناف، فنحن نتناولهم كظاهرة لا كأفراد، وحين ينالون من الأسماء الفاعلة في المشهد الثقافي، شهوةً بالحضور، لا يحملوننا على الرد، لأنهم ليسوا أفرادًا، بل ظاهرة سلبية في الحياة.

وإذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي كـ (فيسبوك) و(تويتر) قد وفّرت للرعاع فرصة التعبير عن انحطاطهم المعرفي والأخلاقي؛ فهذا مما يوفّر للباحث مادة جيدة للتأمل النظري والكشف عن شكلٍ من الوعي، وأسباب ظهوره على هذا النحو، فالوعي يظهر بالكلام المكتوب والمنطوق والسلوك، ومن هنا فإن كشف الوعي عن طريق المكتوب، الذي هو الشفاهي، وقد وجد طريقه إلى الكتابة عبر وسائل التواصل، أمرٌ يوفّر لعلماء الاجتماع ولعلماء النفس، وللفلسفة، مادة ممتازة لفهم الوعي وتفسيره، وبخاصة وعي العفوش.

بقي أن نقول إن مفهوم الرعاع ليس مفهومًا طبقيًا، فالرعاعية حاضرة في جميع الطبقات والفئات، بوصفها ظاهرة أخلاقية ومعرفية، وليس طبقية، وكما أظهرت ثورة السوري المجيدة كل أنواع النبلاء، أظهرت في الوقت نفسه كل أنواع الرعاع، وإذا كان من الطبيعي أن يكون مؤيدو النظام من الرعاع، فإنه من الخطورة بمكان أن يكون للثورة رعاعها، والخطر الأكبر، إذ ذاك، أن يتحول الصراع إلى صراع بين نمطين من الرعاع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق