سلايدرقضايا المجتمع

السويداء.. الجندية وشبهة الوطنية

وضع سلطان الأطرش، قائد الثورة السورية الكبرى ضد الفرنسيين بدايات القرن العشرين الماضي، معادلة كبرى في العقد الاجتماعي الوطني، محيدًا من خلالها الدّينَ من معادلة الدولة، ومعلنًا تشاركية الوطنية لجميع أبنائه، في مقولة وطنية مختصرة مفادها: “الدين لله والوطن للجميع”، وتُعدّ تلك المقولة نواة العلمانية السورية وقتذاك، وقد أُجهضت لاحقًا بحكم السلطات العسكرية المتعاقبة بعد الاستقلال عن الفرنسيين إلى اليوم.

في ذلك الزمن، تتالت اللقاءات بين السوريين والثوار بقيادة سلطان الأطرش في جبل العرب، سواء تلك التي تنامت في حماة، بعد إرسال فوزي القاوقجي لهم مظهر السباعي ومنير الريّس، وعدد من الدمشقيين على رأسهم عبد الرحمن الشهبندر، لإعلان الثورة في دمشق بعد تقدمها في حماة والغوطة، وعلى إثرها أصدر سلطان الأطرش بيان الثورة السورية الكبرى، بتاريخ 23 آب/ أغسطس 1925. حينها كان المبعث الأكثر تميزًا في هذه المسألة الوطنية هو ما تمّ تنسيقه، بين الكتلة الوطنية في دمشق بزعامة عبد الرحمن الشهبندر، بما تمثله من البرجوازية الوطنية الناشئة، وبين القيادة العسكرية للثورة، وقد دشن ذلك التنسيق بالاتفاق على تعيين سلطان الأطرش قائدًا عامًا للثورة، أواخر آب/ أغسطس 1925.

منذ ذلك التاريخ، لم يغيّر أبناء جبل العرب، كما كل السوريين، من هويتهم الوطنية ولا من ثوابت وجودهم السياسي، وقد عبّروا عنها قولًا وفعلًا، وكان لهم النصيب الأكبر من شهداء تلك المرحلة وما يزيد عن 2200 شهيد من أصل 4213 شهيد من كل سورية ممثلة النسبة الأضخم لشهداء الثورة السورية في ذلك الوقت، لكنهم اليوم متهمّون بوطنيتهم وبثوابت وجودهم التاريخي، وذلك لكونهم لم يلتحقوا بالخدمة الإلزامية التي بلغ عدد المتهربين منها خمسين ألفًا أو ما يقارب خُمس سكان المحافظة! لتُفتح من بعدها بازارات متعددة على عدة مستويات، منها الدموي بما فعلته (داعش) أواخر شهر حزيران/ يونيو الفائت، ومنها السياسي بتوافد الجنرالات الروس إلى المحافظة، ومساومتهم الفجّة على مختطفات السويداء، بالالتحاق بالخدمة الإلزامية، ومنها المخابراتي القائم على اللعب بملف الاحتياط في الجندية، فمرة يلغى القرار، ومرة يُعفى منه الجرم الجزائي للمتخلفين، وتعاد قوائم الاحتياط بعد ذلك موضع التنفيذ، ويتم بذلك طيّ ملف المختطفات وليس ذلك فقط بل إنهاء تواجد (داعش) في “تلول الصفا” في بادية السويداء الشرقية بشكل متزامن مع إنهاء هذا الملف، فهل تمت تسوية ملف الخدمة؟ ولأي جهة تم تنفيذها؟

في تاريخ الأقلية المعروفية “الموحدين الدروز”، كانت مسألة الجندية والخدمة العسكرية ملف حرب دائم، وسنعمل على تفصيل هذا الملف في مقاربة سياسية تاريخية، في دراسة موسعة ستنشر في مجلة (قلمون) أوائل العام المقبل، ولكن نقول بإيجاز: لقد شهدت هذه الأقلية عدة حروب تاريخية متلاحقة، بدءًا من المسألة العثمانية التي شهدت أشكالًا عدة من التمرد في لبنان على حكم العثمانيين، في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وكان الدروز دائمًا مبعث قلق للسّلطات العثمانيّة الإقليميّة والمركزية على حدّ سواء؛ ثم بعد أن هاجر الدروز إلى جبل العرب بدايات القرن الثامن عشر؛ اصطدموا بحملة إبراهيم محمد علي باشا المصرية ورفضوا الالتحاق بالجندية فيها، فأرسل إبراهيم باشا حملات عدة على جبل العرب بين العامين 1836-1838 هُزم فيها مرتين، قبل أن يقود بنفسه حملة ثالثة عليه، انتهت بنصر خافت للمصريين وإعفاء للدروز من الخدمة الإلزامية، حسب ما وثّق كثيرون (منهم سعيد الصغير)، ليحصل الدروز لاحقًا على استقلالية نسبية وإعفاء من الجندية شرط اكتفاء شرهم!

لم تتوقف المسألة هنا، فبعد انكسار حملة المصريين وعودتها إلى مصر؛ لم يُعفَ الدروز من مواجهة العثمانيين مرة أخرى، على الرغم من تحالفهم معهم في مواجهة المصريين وقتها، ومواجهة المد الشيعي الصفوي لآل حرفوش قبله في بعلبك اللبنانية، لتنشب مواجهة جديدة بين الدروز والعثمانيين، وذلك في إزرع عام 1851 في معركة “ساري عسكر”، كما وثقها حنّا أبا راشد. وفي كل الحالات أثبت الدروز تاريخيًا قدرات حربية وجسارة قتالية عالية في مواجهة الجيوش المنظمة، ساعدتهم فيها البيئة الوعرة لمنطقة اللجاة، التي كانت ملجأ الدروز التي يحتمون بها، وتمكنهم من التغلب على أعدائهم سواء تلك التي حصلت مع حملات العثمانيين أو حملات إبراهيم باشا المصرية على جبل العرب. وتكررت المسألة ذاتها في بدايات القرن العشرين في معارك الفرنسيين، حيث قاموا بإسقاط طائرة فرنسية في قرية “عرمان”، وبعد اجتماعهم بقيادة سلطان الأطرش في “العيّن” في 21/ 7/ 1925، توجهوا إلى بلدة الكفر وأبادوا الحملة الفرنسية بقيادة “نورمان”، وتابعوا منها إلى السويداء من أجل محاصرة الناجين منها في قلعتها، حيث “لم يفاجأ الفرنسيون بالثورة، وإنما أذهلهم استقطابها لعدد كبير من المجاهدين وانتصارهم الكبير في الكفر، وأخافهم احتمال سقوط قلعة السويداء المحاصرة، فيصاب شرفهم بإهانة أخرى”، كما وثّق حسن البعيني.

الدروز اليوم أمام المعادلة ذاتها، ولكن باستقطاب مختلف، فهم في تهرّب من الخدمة العسكرية لجيش الوطن الذي ساهموا في تأسيسه، وليس هذا وحسب بل أمام أشد المعادلات حكمًا على تاريخهم الوطني، من خلال محاولات زجهم في الدم السوري، فعلى الرغم من السنوات الثمانية الماضية التي لم يُشكّل فيها الدروز حاضنة للثورة، رغم تمردهم على السلطة واكتفائهم بعدم الالتحاق بالجندية فيها، كما لم يُشكّلوا حاضنة للنظام، رغم ما يشوب المحافظة من انفلات أمني وعمليات خطف ونهب وسلب، ولكنهم لم يتورطوا في الدم السوري جماعة، بقدر اكتفائهم بالحياد تجاه كل الأطراف خاصة في محيطهم الحيوي في ريف دمشق أو درعا، وكل تلك المحاولات لجرهم إلى تلك المواقع باءت بالفشل، وذلك باستثناء وجود نسبة منهم في الجيش كما باقي السوريين!

السوريون اليوم، ومنهم أبناء جبل العرب، مدعوون جميعًا إلى استحقاقات المرحلة، ولن يعفيهم أبدًا موقف الحياد هذا، وعدم التورط في الدم السوري، سواء ما سُمي بالمعارض أو الموالي، فهم مدعوون إلى تجاوز عنق الزجاجة المفروض عليهم، سواء باعتبارهم كتلة متجانسة كأقلية دينية ذات قوام سياسي عام، في عكس مسار الوطنية السورية المفترضة، أو في ضرورة زجهم في حمّام دم حار، يجهز له في محافظة إدلب التي باتت تضم ثلاثة ملايين، من ضمنهم سوريون مهجّرون من كل أنحاء البلاد، لتعود أسئلة الوجود التاريخي والسياسي لهذه الأقلية لتطرح من جديد، وبقوة هذه المرة، فبين معادلة تجميد الوضع الراهن وشعارها أن مجزرة (داعش) سببها عدم التحاق أبناء الدروز في الجيش، ومعادلة وحدة المصير الوطنية التي تفترض مدّ يد التواصل والتعاون والتنسيق بين الكتل السورية الوطنية، في أشد المحكّات الواقعية لها، هل تمرّ سياسات الترهيب والترغيب خارج المعادلة الوطنية وباستقطاب معادٍ لها، أم ثمة ما يُطبخ على نار هادئة في أروقة العسكر وأجهزتها، لكل الشباب السوري عامة وأبناء السويداء خاصة؟ والأيام حبلى بالأجوبة التي بات الجميع يخشى من أجوبتها الدموية الكارثية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق