مقالات الرأي

حول إخفاقات السوريين في الحقل الجمعي

أتاحت الثورة السورية، للسوريين، مناخًا مفتوحًا لشتى أشكال وأنواع العمل الجماعي (ثوري، مدني، ثقافي، سياسي، إعلامي، فكري.. إلخ) الأمر الذي حُرموا منه طوال عقود من حكم طغمة الأسد، إلا أن هذا الانفتاح قد أظهر -إلى حد بعيد جدًا- عجز السوريين عن إنجاح أي شكل من أشكاله. فمنذ ظهور “التنسيقيات” وانتهاءً بالتشكيلات السياسية التي تنطعت لتمثيل الثورة، مرورًا بالتجمعات الثورية المدنية والفصائل العسكرية، وما تخللها من مبادرات ومن نشوء حركات وأحزاب سياسية، كان الإخفاق هو العنصر الوحيد المرافق لها والعامل المشترك فيما بينها.

قُدّمت تفسيرات وتبريرات عديدة لهذه الإخفاقات (وكان بعضها محقًا)، غير أن تلك التفسيرات لم تشر إلى سوى العامل الخارجي “الموضوعي”، كإجرام الأسد والمال السياسي والأجندات الخارجية وغيرها. وعلى الرغم من أحقية تلك التفسيرات؛ فإنها لم تمثل العوامل الأساسية والارتكازية للفشل المذكور، ذلك أن السوريين -خلال سنيّ ثورتهم- لم يُجمعوا على رؤية أو تصور أو هدف، بل تعدى ذلك إلى المزيد والمزيد من الانقسامات والاقتتالات فيما بينهم. هناك أسباب عديدة تقف وراء هذا الإخفاق، منها ما هو هامشي ومنها ما هو جوهري/ بنيوي؛ ونذكر -على سبيل المثال- بعض العوامل الهامشية: (عشق الصفوف الأولى)؛ فنادرًا ما نجد سوريًا يقبل بمقام الصف الثاني وما دونه. “أنا محق وكلكم مخطئون” أو (الإقصائية)؛ وكأن السوري هو من خلق الحقيقة وهو فقط من يمتلكها، وكذلك (الانفعال)؛ فمعظم أعمالنا تأتي كردة فعل أو كمحاكاة، ولا تأتي بعد دراسة أو كحاجة أو كمفردة ضمن استراتيجية ما، إلخ. أما عن الأسباب الجوهرية/ البنيوية فتتمحور -باعتقادي- حول عاملين أساسيين: غياب الهوية، وتغليب الفكر الدفاعي على الفكر النقدي. وكلا العاملين السابقين ينتميان إلى منظومة الوعي، فهنا المنطلق والمستقر.

“المجتمع” السوري “مجتمع” بلا هوية، وحين تتعدد الهويات داخله؛ يستحيل توحيد الرؤى والأهداف، فالرؤى والأهداف ستكون فئوية/ جهوية بالضرورة، وستخفق -حتمًا- في إنجاز مشروع وطني جمعي كالذي أطلقته الثورة السورية “شعاراتيًا”. فالطائفية والمناطقية والفصائلية الأيديولوجية والعقائدية، هي حمّالة المال السياسي والأجندات اللاوطنية، وحين تغيب الهوية الجمعية يغيب الوطن -بوصفه التجلي العام والنهائي لمجموع الوعي والعمل الجمعي- ويتحول “النضال” إلى عامل مؤخر يُفرز مشاريع لاوطنية. وأعتقد أن القول إن “الثورة السورية قاتلت ضد العالم أجمع”، لا يحمل بين طياته أي مبالغة، لكن الثورة في الوقت ذاته لم تُجمع في قتالها على هدف واحد هو وطن اسمه سورية.

لا تتوقف الكارثة عند هذا الحد؛ بل تتعداه إلى طرق ومناهج التفكير التي في رؤوسنا، والتي تمثل الفكر الدفاعي والتبريري، وهذا يعكس أولًا؛ عدم الاعتراف بوجود أخطاء. وثانيًا؛ إن كان ثمة خطأ فالآخر “الخارجي/ الموضوعي” هو المسؤول، لا نحن. ثالثًا؛ احتمالية تكرار الأخطاء المرتكبة هي احتمالات دورانية لا نهائية. فمقدار رفع ومناداة الشارع الثوري لعبارات اتهام “الآخر” بالخذلان، كانت مساوية للعبارات المطلبية المحقة، أي أننا وصلنا إلى ما نحن عليه، ولم نعترف حتى اللحظة بإخفاقاتنا وأسبابها الذاتية، وهذا التأجيل أو الإنكار ليس حلًا. الحل يبدأ باستبدال تفكيرنا الدفاعي بتفكير نقدي، تكون أداته هي الموضوعية وهدفه الحقيقة. الدفاع عن الخطأ وتبريره لا يصحح الخطأ قيد أنملة، ولا يغير من طبيعته شيئًا. وبقاؤه يعني بقاءنا في المسار الخاطئ، مسار تكرار الهزائم والكوارث وإعادة إنتاجها.

إخفاق السوريين في حقل الهوية تبعه، وسيتبعه، إخفاقات في أي حقل جمعي آخر، فالممارسات والسلوكات الواقعية، هي على طول الطريق انعكاس لرؤى وتصورات فكرية، فما ينضوي عليه مجتمعنا السوري أفرز مجتمعًا أهليًا، يقوم على الانتماءات والعلاقات الموروثة، كالإثنية والدينية والمذهبية والعشائرية والعائلية، وإن مجموع الجماعات البشرية ذات الانتماءات الموروثة لا يؤلف شعبًا، ولا ينتج دولة وطنية، بينما الهوية الوطنية الجامعة هي التي تُفرز انتماءات وروابط مدنية حديثة (نقابات، أحزاب، جمعيات، إلخ) تشكل في المآل مجتمعًا مدنيًا قائمًا على المواطنة والانتماء للوطن، مجتمعًا يستبدل العلاقات الأهلية بعلاقات مدنية حديثة، منتجًا الدولة الوطنية الحديثة بوصفها نتاج فاعليته وشكل الوجود السياسي له.

أخيرًا، يبقى أن نذكر، بالمقابل، أن العديد من السوريين أبدعوا كأفراد، فكثيرًا ما سمعنا عن تفوق سوري/ فردي أو نجاحه وإبداعه في مجال معين؛ كالرياضيات أو السباحة أو الشطرنج أو الأدب أو الفكر أو الإعلام، لكننا في الحقل الجمعي ما زلنا مخفقين، وكمثالٍ “خفيف الظل” يعبّر عن حالنا، أقول: ننجح نحن السوريين في الرياضات الفردية، لكننا لم نفز في حياتنا بمباراة كرة قدم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق