أدب وفنون

السينما والاستدلال الأخلاقي

تأثر العديد من صناع الأفلام حول العالم بالنظريات المعرفية الأخلاقية، التي تركز على التعليل أكثر من النتائج، وعلى أهمية الاستعداد لدراسة الظروف المحيطة بالسلوك “الخاطئ عرفيًا”، بدلًا من إطلاق الأحكام الأخلاقية بشكل آلي، بالإضافة إلى دور النمو المعرفي في تطور المنظومة الأخلاقية لدى الأفراد.

يعتقد عالم النفس الأميركي لورنس كولبرغ، وهو أحدث من طوّر النظريات المعرفية، أن سرعة النمو الأخلاقي تتأثر بعديد من العوامل، من بينها الثقافية والبيولوجية، إلا أنها تتسلسل ابتداء من مرحلة أخلاقيات ما قبل العرف والقانون، التي ترتبط بالعقاب والطاعة ثم المنفعة الذاتية، مرورًا بمرحلة أخلاقيات العرف والقانون، وصولًا إلى أقصى درجات النمو المعرفي، التي تتمثل في مقدرة الفرد على تخطي أخلاقية القوانين والتوصل إلى منظومة أخلاقية مرنة ذات منشأ ذاتي، تحتكم إلى المبادئ المثلى للحريات والحقوق الفردية  أو العقد الاجتماعي، لتحقيق التوازن بين الحقوق المتعارضة. ويميل البشر غالبًا إلى محاكمة الآخرين بشكل تلقائي، دون الاكتراث -أحيانًا- بالضرورات الأخلاقية المختلفة التي تبنى عليها تصرفاتهم، وإلى تحويل الآخرين من شخصيات إلى موقف أخلاقي واحد التصق بكل منهم، في حين يغدو من السهل على كل شخص ابتكار تبرير أخلاقي لنفسه، وهنا تكمن أهمية السينما في تطوير المنظومة الأخلاقية، إذ إنها تحولنا على عكس ما نتخيله، من متفرجين إلى متورطين زجّ بهم داخل القصة من دون أن يدروا.

تجرأ العديد من مخرجي السينما على ابتكار شخصيات جدلية، خلعت عنها عباءة “العرف”، أو علقت داخل معضلة أخلاقية، وفردوا لها مساحات في نصوص أفلامهم، لتعبّر عن كيانها الإنساني كاملًا بشكل حقيقي، بل بشكل متطرف أحيانًا، من دون أن يقتطعوا الأجزاء المزعجة، التي يجرمها دعاة المذهب المثالي في الطبيعة البشرية، مانحين إياها حق “الخطيئة”، دون توجيه أصابع الاتهام، وللمشاهدين حق الإدانة أو الغفران.

بعض هذه الشخصيات السينمائية “المنبوذة عرفيًا” نجدها في فيلمي (ورود الحرب) و(الولد العجوز)، وهي تبحث عن آذان تسمعها، بعيدًا عن المحاكمات الأخلاقية التلقائية:

يقال في الصين: “العاهرات لا يبالين، يرقصن بينما يموت الجميع”، لكن غانيات الروائية الصينية “جيلينغ يان”، في فيلم (ورود الحرب)، الذي أخرجه إيمو تشانغ عام 2011، كنّ أكثر تعقيدًا من إمكانية حشرهن في تلك الصورة.

يمتلئ الفيلم الذي رشح لنيل جائزة “غولدن غلوب” عن فئة أفضل فيلم ناطق بلغة أجنبية، بكثير من المفارقات التي لا يمكنك تصورها في فيلم واحد من دون أن تصاب بالذعر؛ إذ يجمع بين فتيات دير يتيمات لا تتجاوز أعمارهن 13 عامًا، وبين بائعات هوى تفوح رائحتهن بالكولونيا والشهوة، وشخصيات نسائية أخرى، مثيرة للجدل، تلجأ إلى كنيسة مسيحية هربًا من بطش اليابانيين، أثناء غزو اليابان لمدينة نانجينغ الصينية عام 1937. ويتدرج تطور الصراع الأخلاقي بين الشخصيات المختلفة في الفيلم، حيث تعتقد اليتيمات أن النسوة الأخريات سيدنسن المكان، ويمنعهن عن الاستحمام في حماماتهن، قبل أن تجمعهن المآسي بهن على ضفة واحدة، فيصرّحن، بعد مضي وقت، أنهن “لسن بهذا السوء على ما يبدو”، وينتهي الفيلم بتنكر النسوة بزي الطالبات، لخداع اليابانيين وحمايتهن من الاغتصاب والقتل.

ولعل أكثر ما يميز فيلم (ورود الحرب) هو عدم طرح الشخصيات بصورة مثالية أو مشوهة بشكل مطلق؛ إذ يسلط الضوء على الظروف التي أنتجت كلًا منها، ويبتعد عن تسطيح الدوافع وتقديمها من نظرة أحادية الجانب، وسينطوي سلوك كل منها على مزيج معقد ومتردد من الدوافع النبيلة والأنانية، التي تتأرجح ما بين الحب وغريزة البقاء، ومحاولة إضفاء المعنى على حياة كانت مليئة بالتهميش؛ لذا، لن يبدو من الغريب تضحية نساء مبغى “كين أواي” بأنفسهن، ولا خيانة والد إحدى الطفلات لبلده، ولا تحول متعهد الجنازات السكير لقسّ “يصلي كما لم يصل أحد قبله”، مما قد يتفق مع وجهة النظر الفرويدية التي تقول بأن الأسباب الحقيقية لأفعالنا ليست معروفة دائمًا، حتى لو بدت واضحة، ومما قد يجعل المشاهد يقف طويلًا أمام نفسه، يحلل جميع دوافعه، قبل أن يطلق الأحكام الأخلاقية الآلية على الآخرين.

“حتى لو كنتُ أقلّ من إنسان.. ألا أستحق الحياة!”

هذا ما يردده أوه دايسو عدة مرات في الفيلم الذي يروي قصة حياته، إذ يختطف لمدة 15 عامًا ويسجن في غرفة بأحد الفنادق، من دون أن يعرف هوية خاطفيه أو أسباب تعذيبه، ومن دون أن يصله بالعالم الخارجي سوى تلفاز، يذكره باستمرار أن الحياة تمضي في الخارج بسرعة، غير آبهة به، ولعل هذا ما يدفعه إلى تناول أخطبوط حي بمجرد إطلاق سراحه، في مشهد لن يمحى من ذاكرة السينما، كان في الحقيقة يود افتراس الحياة نفسها، والشعور بتدفقها من جديد في أحشائه.

ويخرج دايسو من سجنه مدركًا مقتلَ زوجته واختفاء ابنته، وينذر ما تبقى من حياته للانتقام، قبل أن يتسرب النور إلى عالمه الموحش مجددًا، من عيني امرأة صغيرة السن التقى بها، فنفضت عنه الوحدة التي كانت مؤلمة كسرب من النمل يدب في أوردته، مما جعله يقع في غرامها، قبل أن يكتشف في نهاية الفيلم أنها ابنته، إلا أن هذا لا يمنعه من المضي قدمًا في علاقته بها، فيختار حجب الحقيقة عنها، ثم قطع لسانه (تبدو وكأنها إشارة أوديبية) ومحو معرفته من ذاكرته.

وتظهر في الفيلم شخصية (لي) الذي يتبين أنه من حاول إيذاء دايسو، انتقامًا لموت أخته، التي انتحرت خوفًا من فضح علاقتها المحرمة بأخيها، بينما كانا في المدرسة، ويتهم دايسو بأنه من أذاع الأمر، على الرغم من أنه لم يبح بما اكتشفه إلا لشخص واحد، وعلى الرغم من أن الفيلم لا يقدم أجوبة عن الأحكام الأخلاقية، فإنه يترك الباب مواربًا عندما يقول (لي) بعد إتمام انتقامه، وقبل لحظات من انتحاره: “من أجل أي متعة سأعيش الآن”.

وإذا افترضنا أن الخطأ الأخلاقي هو تجاوز قانون مجتمعي؛ فستكون محاولة تبريره إذًا إدراكًا كاملًا لارتكابه، وبالتالي ستكون كلا الشخصيتين الذكوريتين الرئيسيتين في الفيلم على وعي بهذا الخطأ؛ إذ يبدو “لي” وكأنه علق طيلة حياته على ضفة النهر الذي أغرقت به أخته نفسها، وبالتالي سيحاول النجاة من عقدة الذنب بلوم شخص آخر، ويبرر لنفسه أن دايسو “أقل من إنسان”، لذا لا يستحق الحياة، في حين سيحاول دايسو التمسك بالمرأة التي تمثل حبل نجاته الوحيد، والهروب في الوقت نفسه من شعوره بالإثم، بمحو ذاكرته وحجب الحقيقة عن ابنته، وبالتالي حجب المعرفة كشرط لتحمل مسؤولية الخطأ.

يعتبر الفيلم الكوري الجنوبي الذي أخرجه بارك تشان وول عام 2003، وحاز الجائزة الكبرى للجنة التحكيم في مهرجان (كان)، من أهم أفلام سينما العنف حول العالم، إلا أن امتلاءه بمشاهد القتل، مثل الكثير من الأفلام الأخرى، لم يكن هو على ما يبدو ما أثار الجدل حياله، كما ظهر في العديد من المراجعات، بل انتزاعه لأوديب من الأسطورة وزجه في عصرنا هذا، وإثارة اشمئزاز من طرف الجمهور، مشابه لذاك الذي درسه فرويد وقت عرض مسرحية “أوديب”، وفسره على أنه دليل على وجود ميول في النفس الطفلية الذكورية تجاه الأم.

ويوضح عالم الأحياء التطوري ريتشارد دوكنز أن الإجابة على ردات الأفعال المتطرفة في ما يتعلق بالجنس على وجه التحديد، تكمن في فهم تطورنا كنوع حي، إذ إن القوانين التي طورها البشر في ما يتعلق بالتودد الجنسي، مرتبطة بعواطف وردّات أفعال ذات جذور عميقة يصعب التخلص منها، ويفسر أن عاطفة الاشمئزاز تطورت بشكل شبه مؤكد لتساعد الجنس البشري على البقاء، بجعلنا نبتعد عن مصادر الأمراض المحتملة (الوراثية في مجال علاقة المحارم)، وأن الكثير من الأشياء تعتبر خاطئة في الأعراف الأخلاقية لدى الكثير من الثقافات فقط لكونها نجسة، ويقول: “من المذهل كيف استغلت هذه العاطفة لتعزيز شعورنا بالإدانة والرفض الأخلاقي، لذلك نجد أن زيادة احتمال شعورك بالتقزز في حياتك، يعني زيادة احتمالية أن تكون مواقفك أكثر صرامة، في المجال الجنسي خصوصًا”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق