ترجماتسلايدر

التطرف الجديد على الإنترنيت

الجهاديون والمتطرفون اليمينيون كلاهما يستخدم استراتيجيات متشابهة على وسائل التواصل الاجتماعي

لعبت وسائل الإعلام الاجتماعية أدوارًا رئيسة في الصعود الأخير[1] للتطرف اليميني العنيف في الولايات المتحدة، منها ثلاثة أحداث وقعت مؤخرًا: الأولى اتّهام رجل بإرسال طرود متفجرة إلى منتقدي الرئيس، والثانية قيام رجل بإطلاق النار على أميركيين من أصل أفريقي، في متجر للبقالة في كوركير في ولاية كنتاكي، والثالثة اتهام رجل بهجوم قاتل في كنيس في بيتسبرغ.

كل واحدة من هذه الهجمات تقع تحت تعريف التطرف اليميني، من قبل قاعدة البيانات العالمية للإرهاب[2] في جامعة ماريلاند: “العنف الذي يدعم الاعتقاد بأن الحياة الشخصية و/ أو طريقة الحياة القومية تتعرض للهجوم، حيث فقدت بالفعل أو تتعرض لتهديد وشيك”. معاداة العولمة، التفوق العرقي، أو الاثني، القومية أو الشك في الحكومة الفدرالية، والهواجس بشأن الحرية الفردية، كل هذه هي علامات مميزت لشبكة الأيديولوجيات، وبالطبع تم النظر إليها من خلال نظريات المؤامرة.

إلا أنه، حتى مع تنامي حجم هذا التعصب، ما زالت الأمة تفتقر إلى استراتيجية متماسكة لمواجهة التطرف العنيف الذي يمكن تحقيقه عبر الإنترنيت.

إلا أن التصميم الأساسي لوسائل التواصل الاجتماعي[3] قد يؤدي بعض الأحيان إلى تفاقم المشكلة. إنه يكافئ على الوفاء في المجموعة الخاصة، حيث يوفر للمحفزين المشاركة والدعم لمنصات مثل فيسبوك ويوتيوب، إضافة إلى مواقع أكثر تعقيدًا مثل Gab و Voat. كما تعمل الخوارزميات على الترويج للمحتوى الجذاب، في حلقة ردات الفعل التي تربط بين الوصلة والرابط أدلة جديدة في الأفكار السامة.

هذه الدينامية تظهر في جميع أنحاء العالم. في ألمانيا، أظهرت دراسة أن البلدات التي تستخدم (فيسبوك) على نطاق واسع، شهدت المزيد من الهجمات ضد اللاجئين[4]. في سريلانكا[5] وميانمار[6]، لعب (فيسبوك) دورًا كبيرًا في التحريض على العنف.

في وقت قد تكون فيه دوافع العوامل العنفية مختلفة، فإن المسارات التي يسيرون فيها نحو العنف تكون متشابهة. نشر سيزار سايوك، المتهم بطرود التفجير، على منصة (تويتر) و(فيسبوك) لنظريات مؤامرة[7] عن هيلاري كلينتون والهجرة غير الشرعية. المتهم بالقتل في بيتسبرغ، روبرت بويرس، كان نشطًا على منصة (غاب)، منصة للتواصل الاجتماعي أنشئت كمنبر للخطاب الذي يهرب من الرقابة في المنابر الرئيسية، بما في ذلك الكلام الذي تعده منصات أخرى متطرفًا جدًا. قبل ساعتين من إطلاقه النار، نشر السيد باورز:[8] إن منظمة يهودية تساعد اللاجئين “تحب أن تجلب الغزاة لقتل شعبنا، لا أستطيع أن أجلس وأراقب أبناء شعبي وهم يذبحون، أدر نظاراتك سوف أذهب”.

غريغوري بوش (الرجل الذي أطلق النار على رجلين في كروجنر، وقال في مشاحنة مع رجل أبيض: “البيض لا يقتلون البيض”) كان مستخدمًا سلبيًا في وسائل الإعلام. كانت أحدث منشوراته على (فيسبوك) انتشرت بشكل كبير إلى وسائل الإعلام المحافظة، وقال أحد معارفه عبر الإنترنيت إن تغريدات السيد بوش (التي طالما تميزت بالعنصرية العارضة المتكررة) أصبحت أكثر فظاعة على مدار انتخابات عام 2016.

لم تكن هناك منظمات خلف هذه الهجمات. الأرجح أن المشتبه فيهم الثلاث لم يلتقوا أو يتفاعلوا مع بعضهم البعض. هذا هو الشكل الجديد للتطرف: إرهابيون موجهون ذاتيًا.

قد يبدأ التطرف بمحادثة عادية بين متداخلين في ألعاب الفيديو. إن ما يبدأ ببضعة شتائم عنصرية قد يقود إلى التعرض لدعاية تفوق العنصر الأبيض العلنية. قد توحي قناة يوتيوب بأن هذا المحتوى غير ضار، ولكنها ربما تقترح، المزيد من القنوات التحريضية، التي بدورها ربما تقترح قنوات أكثر تطرفًا، وهي شبكة يتم تحديدها من قبل معهد بحوث البيانات والمجتمع باعتبارها شبكة التأثير البديل.

نعلم تمامًا مدى خطورة دورة التطرف هذه، لأن الآليات المماثلة قد غذت الإرهاب الإسلامي في السنوات الأخيرة. أنور العولقي، وهو رجل دين تواصل في عام 2009 مع مطلق النار في فورت هود، وأصبح مدربًا لشاب حاول تفجير طائرة فوق ديترويت، ترك بصمة مستمرة على يوتيوب، وحتى لسنوات بعد اغتياله بطائرة أميركية من دون طيار في اليمن. كانت مقاطع فيديو مواعظه، ومحاضراته التاريخية والتدريب الذاتي، تحظى بشعبية دائمة، بفضل صوته اللطيف وسلوكه الجاد، والآن لديهم جاذبية الشهيد التي خلفها.

إذا كان أحد المشاهدين قد نقر على فيديو لهذا الشيخ في وقت سابق، فإن خوارزمية (يوتيوب) ستقود المشاهد إلى إحدى خطبه المتأخرة، مثل واحدة شرح سبب وجوب قتل المسلم للأميركيين. دوجرايف تسانيف، أحد مفجري ماراثون بوسطن، غرد باستحسان على محاضرات العولقي. شريف كواشي، أحد مطلقي النار الذي قتل 12 شخص في مكاتب جريد شارلي إيبدو في باريس في عام 2015، أشار إلى اسم العولقي في محادثة هاتفية مع أحد المراسلين، قبل أن ترديه الشرطة قتيلا. في موته كما في حياته، ألهمت كلمات أنور العولقي الشباب الوحيدين، المنزعجين، أو الساخطين الشباب ودفعتهم إلى القتل.

بحلول عام 2017، بدأ يوتيوب إعادة النظر في سياساته، حيث تم حظر جميع مواد السيد العولقي- باستثناء تلك التي وردت في تعليقات الاخبار أو في السياق النقدي- من على المنصة. كذلك حظرت إدارة فيسبوك منذ فترة طويلة جميع مقاطع الفيديو الخاصة بالسيد العولقي. كلتا المنصتين التزمتا بمكافحة خطاب الكراهية والتطرف والتضليل.

إلا أن المنصّتين كانتا أكثر ترددًا في التعامل مع نوع التطرف اليميني الذي يركز على تفوق العرق الأبيض. وعلى الرغم من منظمات على غرار رابطة مكافحة التشهير والتطرف ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، تقدم معلومات حول هذه المجموعات، فإن المصادر الحكومية الرسمية ما زالت في مأزق، إذا كان من الضروري القيام بحملة فعالة. على سبيل المثال، حددت المصادر الفدرالية شبكة محيطة بالسيد العولقي، الذي كان على رأس قائمة الإرهاب منذ عام 2010.

لكنّ الحكومة لا تحدد رسميًا المنظمات المحلية الإرهابية. قللت إدارة ترامب، أو أوقفت البرامج المتواضعة التي بدأت في عهد الرئيس أوباما لمواجهة التطرف العنيف وردع التجنيد، بما في ذلك عنصرية تفوق البيض. لقد ركز السيد ترامب على التطرف الإسلامي واستبعد التهديدات الأخرى، لا تملك الوكالات الفدرالية حتى تعريفات معروفة لـ “الإرهابين المحليين” و”الإرهاب المحلي”.

غالبًا، ما تعتمد شركات التقنية على القوائم الحكومة لمراقبة برامجها للتطرف العنيف. على سبيل المثال، يحظر يوتيوب منذ فترة طويلة على إرهابين محددين أن يكون لديهم قنواتهم الخاصة. منذ سنوات، حظر فيسبوك، مدح أو دعم المنظمات التي تعتبر خطيرة أو عنفية، بناء على قوائم من طرف الحكومات. (تدعي إدارة فيسبوك أنها لا تعتمد بشكل كبير على القوائم الحكومية). كلا المنصتين، إلى جانب (تويتر) وغيرها من شركات التكنولوجيا الأخرى، قاعدة بيانات مشتركة لمحتوى الإرهاب، يتم التنسيق بينها من خلال منتدى الإنترنيت العالمي غير الربحي لمكافحة الإرهاب، للمساعدة في تقليل المحتوى المتطرف بشكل أسرع. إن ما يستطيع المنتدى تحديده هو معرفة ما هو نوع المعلومات التي لدى المنظمات الرسمية حول التطرف.

في وقت كان الإرهاب العالمي هدفًا لاهتمام كبير وموارد قومية، فقد ازداد خطر الإرهاب المحلي. وقد تزايدت الهجمات الإرهابية المحلية منذ عام 2008، وفي عام 2017 وحده، كان هناك زيادة بنسبة 57 في المئة في الحوادث المعادية للسامية[9].

شهدت العقود الماضية أعمال عنف من طرف مجموعات يسارية، ومن المتطرفين البيئيين والقوميون السود، ولكن في حين أن هجمات هذه المجموعات انخفضت بشكل كبير، تصاعد العنف من طرف اليمين. المتطرفون اليمينيون في الولايات المتحدة، ولا سيما العنصريين البيض، مسؤولون عن الغالبية العظمى من 387 جريمة قتل إرهابية محلية على الأقل في العقد الماضي[10]. في العام الماضي وحده، ارتبطت 20 جريمة من أصل 34 جريمة في الولايات المتحدة بالتطرف اليميني.

هذه الإحصائيات تم جمعها من قبل مركز مكافحة التشهير والتطرف، المصدر الأكثر موثوقية لتوثيق هذه الظاهرة، بينما الحكومة لا تحتفظ حتى بالمسار الصحيح للخطر. خلال عهد أوباما، صنع الإعلام المحافظ جدلًا حول تقرير وزارة الأمن الداخلي لعام 2009 حول التطرف اليميني، بدعوى الاضطهاد المسيس. تحت ضغط من المشرعين الجمهوريين، ألغت جانيت بابوليتانو، وزيرة الأمن الداخلي وقتها[11]، التقرير، وقامت وزارتها بتقليص عملها على التطرف اليميني العنيف.

إن أوجه القصور في التكنولوجيا ليس على عاتقها وحدها. (بالطبع تباطؤ فيسبوك لا يقلل من التأثير الروسي على برنامجه لا يفسر التفاؤل بأن صناعة تقوم بأفضل ما في وسعها)[12]. يتطلب التفاعل المعقد للإرهاب والدعاية والتكنولوجيا استجابة منسقة من قبل الحكومة والشركات. لا ينبغي أن تضع الشركات الخاصة في موقف محاولةً لإحباط التطرف، بمساعدة عدد قليل من الجماعات غير الربحية.

تستخدم معظم المنصات آلية التعلم الآلي وغيرها من التقنيات لإزالة المحتوى الضار، ولكن الأكثر فائدة هو الذكاء الاصطناعي الأكثر تطورًا عن الذكاء الحقيقي غير الكافي والمشوه، نتيجة التحييز في المجتمع الأميركي.

وينعكس هذا التحيز في الإدارات، وفي القرارات السياسية التي تتخذها شركات التكنولوجيا، وفي إنفاذ تلك السياسات من قبل المشرفين. ومع ذلك، من الواضح تمامًا أنه على الرغم من اختلاف الفلسفات الجوهرية بين المفكرين والجهاديين وبين البيض، فإن استراتيجيات التوظيف وجهود الدعاية متشابهة بينهما، في كثير من الأحيان.

هل سيقارِن فيرز، الذي ألقي القبض عليه في غاينسفيل بولاية فلوريدا، لمساندته شخصية اليمين المتطرف ريتشارد سبنسر، نفسَه بمهاجمي ماراثون بوسطن (إخوة تسارنايف)؟ في مقابلة مع مجلة نيويورك تايمز[13] قال السيد فيرز، عن دزوكار تسارنايف (الشاب الذي أحبّ محاضرات أنور العولقي): “ربما شاهد الكثير من الأشياء في العالم التي أزعجته، ولم يعرف كيف يتعامل معها”. وأضاف: “لكني أنا أستطيع أن أتعامل مع ذلك”.

العنوان الأصلي للمادة The New Radicalization of the Internet
الكاتب هيئة التحرير
المصدر جريدة نيويورك تايمز 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018
الرابط https://www.nytimes.com/2018/11/24/opinion/sunday/facebook-twitter-terrorism-extremism.html?rref=collection%2Fsectioncollection%2Fopinion-editorials
المترجم وحدة الترجمة والتعريب- محمد شمدين

 

[1] National Security Pros, It’s Time to Talk About Right-Wing Extremism: https://www.defenseone.com/threats/2018/02/national-security-pros-its-time-talk-about-right-wing-extremism/146319/

[2] Ideological Motivations of Terrorism in the United States, 1970-2016: https://www.start.umd.edu/pubs/START_IdeologicalMotivationsOfTerrorismInUS_Nov2017.pdf

[3] How Everyday Social Media Users Become Real-World Extremists https://www.nytimes.com/2018/04/25/world/asia/facebook-extremism.html?module=inline

[4] Facebook Fueled Anti-Refugee Attacks in Germany, New Research Suggests: https://www.nytimes.com/2018/08/21/world/europe/facebook-refugee-attacks-germany.html?module=inline

[5] Where Countries Are Tinderboxes and Facebook Is a Match: https://www.nytimes.com/2018/04/21/world/asia/facebook-sri-lanka-riots.html?module=inline

[6] A Genocide Incited on Facebook, With Posts From Myanmar’s Military: https://www.nytimes.com/2018/10/15/technology/myanmar-facebook-genocide.html?module=inline

[7] Cesar Sayoc’s Path on Social Media: From Food Photos to Partisan Fury: https://www.nytimes.com/2018/10/27/technology/cesar-sayoc-facebook-twitter.html?module=inline

[8] https://www.nytimes.com/2018/10/28/us/gab-robert-bowers-pittsburgh-synagogue-shootings.html?module=inline

[9] 2017 Audit of Anti-Semitic Incidents https://www.adl.org/resources/reports/2017-audit-of-anti-semitic-incidents

[10] MURDER AND EXTREMISM https://www.adl.org/media/10827/download

[11] How the Political Right Bullied the Department of Homeland Security Into Ignoring the Threat of Right-Wing Extremism https://www.alternet.org/story/152033/how_the_political_right_bullied_the_department_of_homeland_security_into_ignoring_the_threat_of_right-wing_extremism

[12] https://www.nytimes.com/2018/11/14/technology/facebook-data-russia-election-racism.html?module=inline

[13] https://www.nytimes.com/2018/11/03/magazine/FBI-charlottesville-white-nationalism-far-right.html?module=inline&mtrref=www.nytimes.com&gwh=1B59BFE335097F69184372D861F3095A&gwt=pay

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق