سلايدرقضايا المجتمع

انفلات أمني وفساد أخلاقي.. نتائج أولية للحرب في سورية

للحرب والدمار الذي عاشته سورية، على مدار ثماني سنوات، أثرٌ واضحٌ للعيان، يتمثل بإزهاق أرواح مئات الآلاف من السوريين، ونزوح نحو 6 ملايين مدني، وانهيار الاقتصاد وارتفاع معدلات البطالة، وانعدام الأمن الغذائي. كلّ هذه النتائج المادية يمكن إحصاؤها وتقييمها ومن ثمّ معالجتها فيما بعد، ولكن في المقابل هناك آثار خطيرة للعنف الذي شهدته سورية، لا يمكن إحصاؤها ودراستها بسهولة، لأنها إمّا جديدة وغير مكشوفة للجميع لانحصارها بمنطقة دون غيرها، أو لأن البعض قد يعتبرها آثارًا آنية ستزول بمجرد أن يبسط النظام سيطرته على كامل سورية، ليعود الأمان “المزعوم” إلى سابق عهده.

أبرز هذه الآثار التي بدأت تطفو على السطح مؤخرًا، انعدامُ الأمان بكل ما تحمله الكلمة من معنى، خاصة في الأماكن التي يسيطر عليها النظام. ولعل ما تشهده مدينة حلب، منذ أن بسط النظام سيطرته عليها أواخر عام 2016 حتى الآن، هو خير مثال على شيوع الفوضى والانفلات الأمني والفساد الأخلاقي، بطريقة لم يستطع معها حتى إعلام النظام غض الطرف عنها.

خلال اليومين الماضيين، ذكرت صحيفة (الوطن) المقربة من النظام، أن مدينة حلب احتلت المرتبة الأولى، بعدد حالات الاعتداء الجنسي بحق الأطفال، وقد بلغت 165 حالة، وذلك وفق ما ذكرت الهيئة العامة للطب الشرعي التابعة للنظام السوري، تلتها دمشق بـ 110 حالات، واحتلت حماة المرتبة الثالثة 58 حالة، مع الإشارة إلى أن هذه الحالات مسجلة في المدن دون الأرياف، ما يعني أن العدد الحقيقي قد يكون أكثر من ذلك بكثير.

وما يؤكد صحة هذه الإحصاءات، هو حالة الخوف التي عاشها أهالي مدينة حلب، الشهر الماضي، بسبب ارتكاب المجرم المدعو “أحمد مزنرة” جريمتي اغتصاب وقتل، بحق طفلين في حي سيف الدولة، وتمكن أحد الأطفال من النجاة، على الرغم من تعرضه للذبح وخطورة حالته.

اللافت في الأمر، أن الأمن الجنائي تمكن من إلقاء القبض على المجرم، بعد الاشتباك معه وإصابته بطلق ناري في قدمه، وتبيّن -بحسب ما ذكرت وسائل إعلام النظام- أن (مزنر) يمتلك أسلحة، وكان يعمل مع من يُطلق عليهم اسم “اللجان الشعبية” الموالية للنظام.

لم تنجح كل البروباغندا التي أثارتها وسائل إعلام النظام معلنة أن حلب أصبحت “آمنة”، في طمس معالم الواقع الفعلي المزري الذي يعيشه الأهالي، بسبب الانتهاكات التي ترتكبها العصابات والميليشيات الخارجة عن القانون، حتى إن النظام بات عاجزًا عن إيقافهم ومحاسبتهم، بسبب القوة التي يمتلكونها وتداخل مصالحهم مع أجهزة الأمن، وتعدد ولاءاتهم، والمكاسب المادية التي يحصلون عليها من جراء ارتكاب الجرائم.

قد لا يكون الفساد والانحلال الأخلاقي ظاهرة مستهجنة في المجتمع السوري، لكنها أصبحت متكررة ومتفشية بشكل أفقد الناس أي شعور بالأمان، مهما كانت الظروف المحيطة. تقول (ر. أ) من أهالي مدينة حلب، لـ (جيرون): “دائمًا أتجنب الخروج من المنزل إلا عند الضرورة، حتى الزيارات العائلية أحاول أن تكون في النهار، لكيلا أضطر إلى العودة ليلًا، بسبب انعدام الأمن وكثرة حالات التحرش والاعتداءات، لا سيّما بحق الأطفال، وهي الأمور التي غالبًا ما يرتكبها شبيحة النظام”.

وتتابع: “لا يقتصر الأمر على الجانب الأخلاقي فقط، فالشبيحة يحاولون افتعال أي مشكلة في أي ظرف، فمثلًا يجبرون الناس على الاشتراك بخطوط “الأمبير” المملوكة لأشخاص تابعين لهم، بأسعار مرتفعة. ومن يرفض ذلك، يمنعون عنه الكهرباء ويقطعون التمديدات الكهربائية الواصلة إلى بيته، وغير ذلك كثير من التعديات. هم أناس يعيشون خارج القانون”.

من جانب آخر، رأى المحامي السوري أنور البني أن المشكلة ليست فقط في وجود القوانين، بل في من يقوم بضبط هذه القوانين، ويُلزم الجميع دون استثناء بعدم تجاوزها. وقال في حديث إلى (جيرون): “الوضع الأمني في معظم أنحاء سورية سيئ للغاية حاليًا، لا سيّما في المناطق التي يسيطر عليها النظام، بسبب عدم وجود مرجعية تقيّد القوى التي تنفذ القانون، أو جهة تضبط من يضع القوانين إذا خالفها، وهذه مشكلتنا في سورية منذ أيام حافظ الأسد، واستمرت في عهد ابنه بشار، ووجدت الآن بيئة خصبة لكي تتكاثر وتتفشى”.

الحل، بحسب البني، يكمن في “ضرورة وجود قوة قادرة ومنظمة، لها مرجعية تضبط تصرفاتها، إذا تجاوز أفرادها القانون تمّت محاسبتهم، حتى تعود للناس الثقة بالحماية من الخارجين عن القانون، ومن مطبقي القانون أيضًا”.

أمراض الحرب

المشكلات التي تسببها الحروب لا تزول بزوال الحرب، خاصة النفسية منها أو ما يطلق عليه أطباء علم النفس (اضطرابات ما بعد الحرب) التي تأتي كردة فعل طبيعية على ما عايشه معظم السوريين من عنف متعدد الأشكال.

وذكرت (منظمة الصحة العالمية) في شباط/ فبراير 2017، أن 40 في المئة من السوريين في الداخل يعانون “إعاقات نفسية”، وأضافت المنظمة أن هذه الاضطرابات النفسية تظهر على السوريين بشكل تراكمي، يبدأ بالتأثير الذي تركه العنف والقتل على الجانب النفسي للسوريين، ليتطور بعد ذلك نتيجة ازدياد الفقر والنزوح والتهجير.

الطبيب محمد ساطو الاختصاصي بالأمراض النفسية قال لـ (جيرون): إن “معظم السوريين تأثروا نفسيًا بسبب الحرب، بنسب متفاوتة، لكن أكثرهم تأثرًا هم الذين تعرضوا للتعذيب أو السجن أو فقدان أحد أفراد عائلتهم بطريقة وحشية أمام أعينهم، وهؤلاء يجب العناية بهم بشكل خاص، حتى لا يلجؤوا إلى أساليب أخرى كالإدمان مثلًا كي يهربوا من معاناتهم”.

وحذر الدكتور ساطو من مخاطر الاضطرابات النفسية في السنوات القادمة، خاصة لدى الأطفال المعرضين بشكل كبير للإصابة بمشاكل نفسية وسلوكية خطيرة في مرحلة المراهقة، إذا لم تتم متابعتهم وعلاجهم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق