اقتصادسلايدر

(حزب الله) يجرّ اقتصاد لبنان إلى الهاوية

تزامن عقوبات ترامب على طهران وميليشيا "نصر الله" يهدد استقرار القطاع المصرفي

أكّد مراقبون ومحللون اقتصاديون لبنانيون أنّ ظلالًا قاتمةً تخيم على الاقتصاد اللبناني وقطاع المصارف، منذ إعادة فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في الخامس من الشهر الحالي، عقوبات قاسية وشاملة على طهران وأذرعها في العالم، وفي مقدمها ميليشيا (حزب الله) الإرهابية، وقد واكبها تنفيذُ قانون العقوبات المعروف بـ (HIFPA) على الحزب، المصنف أميركيًا وخليجيًا كمنظمة إرهابية، في نسخته الثانية المعدَّلة. ورأى هؤلاء أنّ لبنان الذي يعاني أزمات اقتصادية كبيرة، لن يكون بعيدًا عن هذه العقوبات، لا سيما أنّ ميليشيا الحزب الطائفي الشيعي (حليف نظام الملالي)، جزءٌ لا يتجزأ من لبنان السياسي والاقتصادي.

أوساط الاقتصاد والمال في العاصمة اللبنانية أكّدوا من جهتهم، أنّ مدى تأثير الحزمة الثانية من العقوبات يجر لبنان إلى الهاوية؛ إذ لا تقتصر على الإيرانيين وحدهم، بل هي موجهة ضدّ كل من يتعامل معهم، وهو ما يعني أنها ستطال لبنان بطريقة أو بأخرى، لارتباط ميليشيا الحزب، الصريح والعلني، بإيران وارتباط منظومته الاقتصادية بالاقتصاد الإيراني.

الإدارة الأميركية عازمة على تطبيق قانونها الذي ينصّ على معاقبة المؤسسات الرسمية التي تتعاطى مع (حزب الله)، الذي يعمل على زعزعة الاستقرار في لبنان، ويعطل منذ عدّة أشهر تشكيل الحكومة في البلد، ويساند النظام السوري، ويدعم إرهابه تجاه الشعب السوري المنتفض ضدّ بشار الأسد.

هذا العزم الأميركي، إنما يعني بداية مرحلة جديدة من المواجهات المالية والاقتصادية على الساحة اللبنانية، وهو ما عزز المخاوف في بيروت على مصير الاقتصاد اللبناني، التي مصدرها الأول هو أنّ هذه العقوبات لن تطال (حزب الله) بشكل مباشر، كون لديه “آلية دفاعية مسبقة يتعمّد فيها أن يكون خارج الاقتصاد اللبناني”. ذلك أنّ العقوبات الآن ستطال أيّ فرد وأيّ كيان أو مؤسسة لديها علاقة اقتصادية وتجارية مع (حزب الله)، على اعتبار أنها علاقة عضوية مع إيران، خاصّة تلك الشركات الصناعية والتجارية التي تعمل لصالح الحزب في الخفاء، ستكون بمرمى العقوبات، لا سيّما أنّ العقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية هي ثمرة حلقات استقصاء طويلة، قامت بها أميركا عبر التدقيق بالحسابات المصرفية. بحسب مراقبين اقتصاديين محليين.

ويهدف قانون العقوبات HIFPA على ميليشيا (حزب الله) الإرهابي إلى الحدّ من قدرة قادة الحزب على جمع الأموال وتجنيد عناصر له، إضافة إلى زيادة الضغط على المصارف التي تتعامل معه وعلى البلدان التي تدعمه لا سيّما ايران، بالإضافة إلى أنّ العقوبات الجديدة تمنع أيّ شخص يدعم هذه الميليشيا الإرهابية ماديًا أو بطرق أخرى من دخول الولايات المتحدة، كما يفرض عقوبات على قسم العلاقات الخارجية للحزب، ومؤسسات كـ (داعمي بيت المال، وجهاد البناء، ومجموعة دعم المقاومة، وقسم الأمن الخارجي، وتلفزيون المنار، وإذاعة النور والمجموعة الإعلامية اللبنانية).

جاء هذا القانون، الذي أُقرّ بعد أن أدخلت عليه تعديلات، ثمرة زيارات قامت بها عدّة وفود لبنانية نيابية مختصة ومصرفية إلى واشنطن، وتركزت اتصالاتها مع المعنيين لمنع حدوث ارتدادات خطيرة على لبنان، لا سيما أنّ مشروع القانون كان يأتي في أحد بنوده على سبيل المثال، على “فرض عقوبات على البلديات”.

  • ارتدادات سلبية على المصارف والاقتصاد

العقوبات التي دخلت حيز التنفيذ في 5/ 11/ 2018، هي الحزمة الثانية بعد انسحاب إدارة ترامب من الاتّفاق النووي مع نظام الملالي في أيار/ مايو الماضي، عقب حزمة أولى طالت عمليات تجارية ونقدية في آب/ أغسطس الماضي.

تقارير صحفية محلية في بيروت، نقلت الأسبوع الماضي، عن المحامي اللبناني بول مرقص، رئيس منظمة “جوستيسيا” الحقوقية، بصفته مراقبًا لمجريات قانون العقوبات بنسخته الثانية، والموجود حاليًا في واشنطن، قوله: إنّ “قانون العقوبات على (حزب الله) الجديد هو نسخة مطوّرة عن قانون العام 2015، ولا يحمل في طيّاته أدوات تنفيذية جديدة، بمقدار ما يحمل رسالة متجددة حول عزم الإدارة الأميركية ككل على تنفيذ العقوبات عند الاقتضاء”. موضحًا أنّ “المرحلة الراهنة في واشنطن هي مرحلة صَوغ النصوص التطبيقية للقانون الجديد الذي من المفترض أن يصدر في غضون 180 يومًا، أي في مهلة 6 أشهر”.

وتشير التقارير إلى أنّ هذه العقوبات سبق أن فُرضت على طهران وحليفها الحزب الشيعي، قبل الاتّفاق النووي، ولم تؤثر في ذلك الحين على الاقتصاد اللبناني أو تمسّ نظامه المالي، إلّا أنها حاليًا تثير القلقَ لأسباب عدّة، من أهمها التزامن بين العقوبات على نظام الملالي وبدء تطبيق قانون العقوبات على ميليشيا (حزب الله)، ما يوحي بأنّ إدارة ترامب تتعاطى مع الملفَّين على أساس أنهما ملفٌّ واحدٌ مترابط. وقد عبّر عن ذلك مضمونُ البيان الذي صدر من البيت الأبيض، وجاء فيه حرفيًا، في توصيف (حزب الله)، أنه “المنظمة الراديكالية الإرهابية والشريك القريب للنظام الإيراني والذي ينوب عنه”.

كما أشارت التقارير إلى أنّ القلق اللبناني من العقوبات الجديدة، لا ينحصر بقيادة الحزب فقط، بل يطال الدولة اللبنانية ككل، خوفًا من ارتدادات سلبية على المصارف والاقتصاد الذي يعاني أصلًا أزمة كبيرة، نتيجة تأخير تشكيل الحكومة، ما يمنع الدولة اللبنانية من الاستفادة من المشاريع التي تم إقرارها في مؤتمر (سيدر) في نيسان/ أبريل الماضي.

ولفتت التقارير إلى أنّ النسخة المعدَّلة من قانون العقوبات HIFPA على ميليشيا (حزب الله) تختلف في النصوص عن النسخة الأصلية الأولى، من حيث إعطاء الرئيس ترامب سلطةً استنسابيةً في تحديد هويّة الأفراد أو المؤسسات التي سيشملها القانون، ومن حيث شمول العقوبات الأطراف “الثانوية” التي تتعامل مع الحزب، المنخرط في الحياة السياسية البرلمانية والحكومية، من دون أن تكون من صلبه، وأيضًا من حيث إنها تشمل المؤسسات الحكومية والأجنبية.

ويسود اعتقاد، في الأوساط السياسية في بيروت، بأنّ إصرار زعيم ميليشيا (حزب الله) حسن نصر الله، على تولّي أحد مسؤولي حزبه “حقيبة الصحة” يأتي في سياق الرسالة المبكرة إلى الأميركيين. إذ كيف ستطبّق الإدارة الأميركية قانونها الذي ينصّ على معاقبة المؤسسات الرسمية التي تتعاطى مع (حزب الله)، إذا كانت عاجزةً عن معاقبة وزارة يتولّاها ويديرها هذا الحزب الإرهابي، ويستفيد منها نحو مليوني لبناني؟

هذا التساؤل هو ما يفسّر ربما الغضب الأميركي على الخطوة، وقد عبّر عنه نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون المشرق، جويل رايبرن، الذي زار بيروت نهاية الشهر المنصرم، والتقى رئيس الوزراء المكلّف سعد الحريري، وقائد الجيش العماد جوزيف عون، وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وعددًا من النواب ورجال الأعمال، واستخدم لغةً قاسية في تحذيره من احتمال حصول (حزب الله) على “حقيبة خدمات رئيسة”.

  • تجفيف قنوات تمويل ميليشيا (حزب الله) الإرهابية

تزامن فرض الحزمة الثانية من العقوبات الأميركية على إيران، مع توقيع الرئيس ترامب قانون تعديل التمويل الدولي لـ (حزب الله) لعام 2017، بعد أن صادق عليه مجلس الشيوخ الأميركي الذي كان أقرّ أيضًا قانونين جديدين في الفترة الماضية، لتجفيف قنوات التمويل التي تساعد ميليشيا (حزب الله) الإرهابية.

القلق اللبناني الرسمي من تداعيات هذه العقوبات على الاقتصاد اللبناني عامة، والقطاع المصرفي على وجه الخصوص، حاول حاكم ​مصرف لبنان​، رياض سلامة، ​التخفيف منه بقوله قبل أيام: إنّ “القطاع المصرفي لن يتأثر بالعقوبات الأميركية المفروضة على إيران، وضمنها (حزب الله). ولبنان ليس بحاجة إلى القيام بأيّ مبادرة جديدة لمواجهة هذا الأمر”. مؤكّدًا أنّ “الليرة اللبنانية مستقرة، والأسواق هادئة، ولا نية لدى الدولة اللبنانية، أو البنك المركزي، بتغيير سياسية صرف الليرة”.

سلامة شدد أنّ “الآلية الموجودة، سواء أكانت قانونية أم تنفيذية، كافية وتؤمن الغرض بأنّ “لبنان ملتزم بالشرعية الدولية وملتزم بعدم تعريض المصارف بعمليات تضر بها”.

متابعون للشأن الداخلي اللبناني يرون أنّ التصعيد الأميركي ضدّ ميليشيا الحزب الإرهابية سيدفع بقيادته السياسية إلى إعادة حساباته على الصعيدين الداخلي والخارجي، خاصّة مع تدهور الأوضاع الداخلية في إيران، التي تشهد منذ عدّة أشهر تظاهرات وإضرابات شعبية عارمة في عدد من المحافظات، فيما يغرق نظام ولاية الفقيه بأزماته المتتالية، منذ انسحاب الإدارة الأميركية من الاتّفاق على البرنامج النووي، ليتفاقم الوضع سوءًا بعد تجديد الرئيس ترامب للعقوبات الذي أصاب طهران في مقتل، منذ الخامس من تشرين الثاني/ نوفمبر الحالي، حيث طالت العقوبات صادرات النفط، أي العمود الفقري للاقتصاد الإيراني، وهو ما زاد من تذمر الطبقات الفقيرة والمتوسطة الشعبية، بعد أن خسرت قيمة الريال (العملة الوطنية)، ما بين 300 إلى 400 بالمئة، منذ مطلع العام الحالي 2018.

ويتوقع مراقبون اقتصاديون غربيون أن يتابع الريال الخسارة، وإن على نحو أكثر انضباطًا، وتصيب أسعار الصرف المتحركة على الحدود الصناعيين بالجنون. أما أسعار الواردات فقد قفزت قفزات خيالية. ويتوقع (صندوق النقد الدولي) هبوط متوسط النمو إلى 3.6 سالبة في 2019، وهو ما يعني بالضرورة الحدّ من تمويل ميليشيا (حزب الله) الإرهابية، التي تدعم آلة القتل التي يواجه بها نظام بشار الأسد شعبه الثائر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق