أبحاث ودراساتسلايدر

تجديد الخطاب الديني أم فصل الدين عن السياسة؟

منذ إرسال البعثة العلمية الكبيرة، من قِبل الحكومة المصرية في عهد محمد علي باشا، إلى باريس مطلع القرن التاسع عشر (سنة 1826)، برئاسة رائد التنوير الأزهري النابه والمجدّد رفاعة الطهطاوي، لتلقّي العلوم الرفيعة والمعارف الإنسانية الواسعة في فرنسا، وتعرّض البعثة حينذاك لما سُمّي بـ “صدمة الحضارة”، حيث إن ما لمسوه وما شاهدوه كان مُبهرًا حقًا، فباريس عاصمة النور ومنطلق الثورة الفرنسية التي هزت العالم كزلزال عظيم، وأبهرت العقول والحواس لدى كل عاقل وباحث عن التّجديد والتّجدد، وعن الرنوّ إلى العبور نحو الضفة الأخرى، ضفة النهضة والعقلانية لمغادرة الركود والتّكلس والاستنقاع، حيث كسر الفرنسيون الجدار السّميك لسطوة الكنيسة وممثلي الاستبداد الديني الذين وقفوا عائقًا أمام أي تطوّر جديّ لبلادهم والعالم، وحاربوا بشراسة كل الأدمغة النيّرة التي أرادت إزاحة حُجُب الظلام والتخلف، للعبور نحو غدٍ مشرق يحمل بشرى التغيير والتّمكين للبشرية جمعاء، من أجل حياة أفضل استنادًا إلى الاستنارة العقلية والبحث التجريبي.

لهذا، كَثُر الحديث في أوساط النخب المصرية -آنذاك- عن تجديد الخطاب الديني، والانتقال إلى الحداثة والعصرنة والتقدم الذي عَبَر إليه الغرب، وكان مؤسس مصر الحديثة الألباني المنشق عن الجيش العثماني محمد علي باشا من أشد المؤمنين بالحداثة، والداعين إلى اتباع السّبُل التي اعتمدها الغرب، والبحث والغوص بعيدًا في دراسة أسباب تخلف مصر والعرب والمسلمين عامة، وتقدّم الآخر، أو ما أطلِق عليه “الغرب المُشرك”!!

كانت الإرهاصات الأولى قد تمظهرت بِتَرِكَةِ الحملة الفرنسية على مصر، على الرغم من قصرها، المتمثلة بتطوير نظم التعليم، وإصدار قوانين حديثة تسهّل وتسرّع إنجاز برنامج الحملة لبناء صناعات جديدة، وإصلاح الترع وأنظمة الري والبريد والمواصلات، وإدخال المطبعة التي كانت نقلة عملاقة تحوّلت إلى منبرٍ تنويري لشرق يتعثر في خطاه، بعد انقطاعه عن إنتاج المعرفة منذ قرون خلت، علمًا أن قيام الفرنسيين بكل ذلك جاء لزوم متطلبات بناء قاعدة استعمارية لهم في وادي النيل، لقطع الطريق على أطماع الإنكليز، وليس من أجل رفاه المصريين، ومنها نستطيع القول إن محمد على باشا تأثر كثيرًا بإنجازات الحملة الفرنسية، وعمل بهَديها لاحقًا عندما أصبح حاكمًا لمصر.

كانت ردّات أفعال الأوساط المحافظة، على دعوات الطهطاوي الإحيائية العائد لتوه وبعثته من باريس، عاصفةً هوجاء مشبعة بالاتهامات والتخوين للإمام ورفاقه الحاملين رؤية تجديدية لمصر المستقبل، والحالمين بنقلها من ظلام الجهل والركود إلى ضياء الغد والبناء، والانطلاق نحو النهضة الحقيقية للأمة، حيث رأت قوى الإعاقة والتخلف أن ما يدعو إليه الطهطاوي هو “خروجٌ عن الدين وانبهار ببلاد الكفر والدعاية لنموذجهم”، فردّ الإمام النبيه عليهم بالقول: “علينا التفريق بين الغرب الحضاري والثقافي، والغرب السياسي والديني”. إلا أن حملة الهجوم هذه على التحديثيين لم تتوقف عند فريق بعثة باريس، بل طالت لاحقًا الكثير من الأزهريين الذين دعوا إلى تفعيل العقل وإشاعة الاستنارة، وعلى رأسهم الأزهري علي عبد الرازق، الحاصل على العالمية بجدارة، حيث كان نصيبه واسعًا من الهجوم والاتهامات والفصل من الوظيفة والعداء له من لدن السلطتين السياسية والدينية، بعد أن أصدر كتابه القيّم (الإسلام وأصول الحكم) في زمن السطوة الاستعمارية البريطانية على مصر، وحُمّى الدعوة المتأججة من قبل القوى المتنفذة والمقربة من القصر للمناداة بـ (فؤاد) خليفة على المسلمين، فردّ هذا المجدد النابه قائلًا إنّه “ليس من حاجة إلى تلك الخلافة لأمور ديننا ودنيانا، فالخلافة كانت ولم تزل نكبةً على الإسلام وعلى المسلمين، وينبوع شرّ وفساد”، وإن من يعملون على تطويع الدين، وجعله أداة بخدمة الحاكمين وأجنداتهم، هم خارجون على جوهر الدين؛ كون الدين يُمثّل علاقة روحية بين الإنسان وربه، بينما الدولة وجدت لإدارة شؤون الناس وتنظيم حياتهم المتبدلة على الدوام.

لذا ثارت ثائرة دعاة إحياء الخلافة على الجَسور علي عبد الرازق، معتبرين كتابه تسفيهًا لدعواهم التي تبنتها بريطانيا بالأساس، لديمومة بقائها كقوى احتلالية لأرض مصر، حيث يقول الباحث خالد غزال، في هذا الصدد: “كانت بريطانيا آنذاك تدعم إحياء الخلافة عبر الملك فؤاد الذي كان مواليًا لها بالكامل، وكانت ترى فيه خير ضامن لمصالحها في مصر والمنطقة”، وهذا صحيح تمامًا، خصوصًا أن مصر كانت تشهد حراكًا فكريًا وسياسيًا متصاعدًا، من قبل القوى الوطنية المتمثلة بالقوى الليبرالية الحاضرة بشكل ملحوظ آنذاك، فكان الهجوم على ما طرحه المُجدد علي عبد الرازق (الذي يصفه البعض بـ “مارتن لوثر كينغ” الإسلام) عاصفًا، كونه رمى بحجره الكبير بماء الاستنقاع والركود، ولم تسلم مجموعة القوى الليبرالية المصرية من بعده، كطه حسين، ومَن قبله كجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي وغيرهم، من تلك الهجمة المسمومة والعشرات من دعاة تجديد الخطاب الديني وإعادة قراءة التراث، وفق منهجية جديدة، بروح نقدية ونزعة مادية تستند إلى الأسباب الموضوعية في دراسة الماضي، بعد إعادة إحضاره وإضاءته للفرز بين الغث والسمين، إلا أن هذه الجهود لم تُكلل بالتوفيق لأسباب عدة، أهمها غياب الرافعة الموضوعية لها، أي غياب الطبقة التي لها مصلحة في التغيير كما حدث في أوروبا عشية قيام ثوراتها البرجوازية التي تأثرت كثيرًا بتجربة الثورة الفرنسية الناجزة، على الرغم من ظهور تيار ليبرالي مصري، كان يدعو إلى التخلص من التركة الثقيلة، لتراثٍ عُلّقت عليه أحمال أرهقته وشوّهته إلى حد بعيد، بفعل الصراع الدامي والمرير على كراسي الخلافة والسلطة فيما بعد، حيث كان لكل فريق ما طالت يداه من الاجتهاد والتلفيق والتبرير والتزوير، من أجل دعم هذه السلطة أو تلك.

بسبب مطامع الغرب مع بداية توسعه الاستعماري من جهة، ومنع قيام مشروع وطني حقيقي في البلدان العربية من جهة أخرى؛ تم إفشال تجربة محمد علي باشا الطموحة التي كانت واعدة بالكثير، وذلك بفعل عوامل داخلية وخارجية، ولم يعد اليوم ثمة زمن كاف للعمل على تجديد الخطاب الديني، فالعرب والمسلمون أمام مفترق طرق وجودي حقيقي، حيث الوقت ليس لمصلحتهم، خاصة أن البحث في مسألة إعادة النظر بالتراث سيخضع لتجاذبات وسجالات هي أقرب إلى حوار بيزنطي، في زمنٍ أثبت الإسلام السياسي فشله فيه، وها نحن أمام فضيحته المدويّة على الساحة السورية، بعد خطف ثورتها من قبل أهل الرايات المتعددة التي وجدنا كل طرف فيها يدّعي تمثيله الحصري للإسلام، الأمر الذي يوجب على كل القوى المستنيرة وضع حد للمتاجرين بالسماء تكريسًا لمصالحهم الدنيوية، والتأكيد أن الأديان منزهة عن زواريب السياسة والساسة، وما الدعوة إلى بناء دولة الخلافة إلا للتستر بالدين، من أجل تحقيق أغراض سياسية، كما فعل قبلهم الكثيرون لتحقيق غاياتهم السياسية (والسياسة تعبيرٌ مكثف عن الاقتصاد، على حد قول لينين)، حتى نابليون بونابرت اتكأ على رجال الأزهر لتوطيد قاعدته الاستعمارية في حوض النيل، عند بداية حملته على مصر عام 1798 حاملًا معه مطبعته التي رافقت بقصفها الإعلامي قصف مدافع جيشه لمصر، بل ذهب الفرنسيون إلى أبعد من ذلك، حيث عيّنوا الجنرال جاك فرانسوا مينو (بعد مقتل كليبر) الذي أعلن إسلامه تعمية، وتكنى بعبد الله جاك مينو، وتزوّج امرأة مسلمة حينذاك، لكسب ود المصريين والمؤمنين البسطاء، وهو العليم بمدى تأثير الدين على المؤمنين، وأن ثورته الفرنسية هي من دكت معاقل الكهنوت التي كانت حامية لمصالح قصر فرساي وحصنه الحصين؟!

في النهاية، يمكن القول إن النبي عليه السلام رجلُ دعوة، ولم يكن يومًا زعيم دولة أو داعيًا لها، وهو الذي اختصر دعوته بقول صريح لا لبس فيه: “إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مكارم الأخلاق”، وكذلك في خطبة حجة الوداع نجد أن الذكر الحكيم لم يأت على ذكر مفهوم الدولة، بل جاء النص ليقول: “… ورضيت لكم الإسلام دينًا”، ولم يقل رضيتُ لكم الإسلام دولة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق