هموم ثقافية

الثرثرة في روايات 

في روايات عربيّة عديدة -سواء كانت حاصلة على جوائز أم لا- يجد قارئها كمًّا هائلًا من الثرثرة واللغو والتفاصيل وتفاصيل التفاصيل.. حتى ليكاد يُغمى عليه، هذا على افتراض مواصلته قراءة عمل بهذا الحجم.

فلسببٍ ما، رسخ في أذهان عدد من كتَّاب الرواية أن هذا الجنس الأدبي يحتاج -في مقدّمة ما يحتاجه- التزيّد في الكلام ما استطاع الكاتب إلى التزيّد سبيلًا، والتفصيل في المشهد، والحدث، ومسالك الشخصيّة وصورتها وطباعها، والمكان بكل ما يضمّه وما يحتويه وما يطرأ عليه أو يتغيّر فيه، وغير ذلك مما هبَّ ودبَّ في متن العمل، وهو يُشبه التفاصيل الدقيقة للغاية التي كان يتوجّب على المُعلّقين الرياضيين -في الماضي- نقلها وسردها وبيانها إلى أذن المُستمع في أثناء تعليقهم على مباريات كرة القدم، كي لا تفوت المستمعين فائتة مما يجري.

واستنادًا إلى هذا، تدفع دُور النشر بأعمال روائيّة مطبوعة، هي من الحجوم الضخمة ما يُسبب الإنهاك لحاملها بيديه، فما بالك بقراءته لها، ومتابعة منمنماتها التي تدقُّ وتصغر، بل تتناهى في الصغر، إلى حدّ يبدو معه لكأنَّ التنافس بين الكتَّاب هو على مَنْ في استطاعته الإطالة والشطط والإسهاب والثرثرة أكثر من غيره.

بالطبع، يساهم في ذلك ويشجّع عليه، اعتقادُ لجان تحكيم المسابقات والجوائز التقديريّة بأن العمل الروائيّ كلما زاد عدد كلماته وصفحاته كان الأجدر بالاختيار وربما الفوز، ذلك أن كثرة الأوراق دليل على أن الكاتب قد بذل الكثير جدًا من الجهد، وسهر الليالي، وتعمّق في موضوعه، وغطّى وقائعه وأزمانه، وتأنّى في رسم شخوصه، واعتنى في لغته؛ في حين قلّة الصفحات تشير إلى عكس ذلك.

يعني، رواية بنحو مئة أو مئة وخمسين صفحة -تزيد أو تنقص- وتشارك في مسابقة أو تتقدَّم إلى نيل جائزة، أمرٌ شائن، فيه قَدْر من الاستخفاف والتسرّع، ويدلُّ على أن صاحبها يلهث خلف الشهرة والنجوميّة بأيسر وأقصر وأسرع الطرق، من دون أن يسعى للعمل الجادّ والدؤوب لتجديد دم هذا الفنّ، وتطوير سرديّاته وأساليبه ولغته وبنائه… وغير ذلك!

وإذا كان مُثيرًا للاستغراب الربط بين زيادة عدد الصفحات وجدارة العمل، فإنّ المرء ليحار في ما عسى يكون عليه رأي لجان التحكيم ودُور النشر، في الروايات القصيرة التي صدرت ليوسف إدريس مثل (رجال وثيران)، و(العسكري الأسود)، و(أنا سُلطان قانون الوجود)، أو رواية جنكيز إيتماتوف الشهيرة: (الكلب الأبلق الراكض على حافة البحر) وغيرها من التحف الروائيّة المماثلة لكبار الكتَّاب في العالم؟

ولِما سبق -ولغيره الكثير- بدأ التنافس على أشدّه، سواء في أوساط الراغبين الجُدد في كتابة الرواية، أو الروائيين القدامى المُكرَّسين في هذا الحقل؛ على مَنْ بإمكانه كتابة الرواية الأطول بعدد صفحاتها، وصولًا إلى روايات شهدتها المكتبات العربيّة بثلاثة أو أربعة أو خمسة أجزاء، كلُّ جزء منها بعديد من الصفحات، كما لو كان العمل يتناول مجريات التاريخ ومراحله، وحياة الإنسان، وحقبه، وعصوره منذ فجر الحياة البشرية على الأرض إلى اليوم!!

ما الذي يحدث؟ وما الداعي إلى هذا كلّه؟ وما الحاجة المُلحّة بعد كلّ ما كُتب من روايات وقصص وأشعار ومسرحيات؟ وما الدافع بعد كلّ هذه الانهيارات العربيّة للآمال والأحلام وما رُنيَ إليه؟ وما الجديد الخارق في كلّ تلك الأكوام من الأوراق لكاتب واحد؟ لا أحد يُجيب، ولا التساؤل -من أساسه- في الوارد والحسبان، إذ الكلُّ منخرط في هيجان الكتابة، والفوز في سباق إنجاز الملاحم، من دون التفاتة تأمّلية نقديّة، ولو واحدة!

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق