تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

موسكو تدخل على خط العمليّات في خرق اتفاق سوتشي.. ما هي الرسائل؟

دخلت روسيا على خط العمليات الساخن في خرق اتفاق سوتشي، إلى جانب النظام، لأول مرة منذ توقيع وثيقة الاتفاق حول إدلب مع الضامن التركي في 17 أيلول/ سبتمبر 2018، حيث شنّت الطائرات الروسية عشية الأحد 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018 غارات على منطقة حي الراشدين غربي حلب، وأخرى على منطقة خان طومان في جنوبها، أدت إلى “تدمير أوكار الإرهابيين الضالعين في تنفيذ هجمات كيمياوية على مدينة حلب”، بحسب الرواية الروسية التي جاءت على لسان المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية الجنرال إيغور كوناشنكوف، متهمًا أصحاب (الخوذ البيضاء) بالتنسيق مع (هيئة تحرير الشام) في تنفيذ تلك الهجمات. كما أتت الغارات الروسية عقب ارتكاب النظام السوري مجزرة في حق أبناء قرية جرجناز جنوبي إدلب، إضافة إلى استهدافه غالبية مناطق ريفي حماة الشمالي وإدلب الجنوبي. ووفقًا لرواية النظام التي تُعد تبريرًا لارتكابه الخروقات، فإن “فصائل المعارضة قصفت مساء السبت حي الخالدية بغارات سامة”. وهو ما نفته فصائل المعارضة، على لسان المتحدث باسم (الجبهة الوطنية) ناجي مصطفى.

طرح التصعيد الأخيرة على (المنطقة منزوعة السلاح) العديدَ من التساؤلات حول الأهداف الكامنة وراءها، لا سيّما أن الضامن الروسي دخل على خط الخروقات، قُبيل موعد جديد من مسار أستانا: الأربعاء 28 من الشهر الحالي، تزامنًا مع انعقاد لقاء للمجموعة المصغرة حول سورية المهتمة بملف صياغة الدستور السوري تحت مظلة الأمم المتحدة، وقد أعلنت الأخيرة ضرورة تشكيل اللجنة أواخر العام الحالي، كما طرحت الخروقات ضبابية حول دور الضامن التركي الذي التزم الصمت حيال تنفيذ النظام وروسيا وإيران عمليات استفزازية، داخل المنطقة المخصصة لنزع السلاح؛ ما يطرح على صعيد آخر إشارات استفهامية، حول جدية طرفي الاتفاق بضرورة وقف النار، في المنطقة الرابعة لاتفاق خفض التصعيد الذي تم إطلاقه في 2017.

أمام هذه المعطيات؛ ثمة العديد من الأهداف الكامنة وراء التصعيد الأخير الذي قادته روسيا، وقد يُفند بمنحيين ويمكن استشرافه وفقًا للسلوك الروسي تُجاه سورية.

استحقاق عسكري

على الرغم من أن روسيا توصلت مع الجانب التركي إلى رسم خارطة طريق حول إدلب، فإنها صرحت أكثر من مرة، على لسان وزير خارجيتها، بأن الاتفاق مرحلي ومؤقت وهدفه القضاء على كل التنظيمات التي تعتبرها إرهابية، وقد أطلقت موسكو العنان لتركيا، وأعطتها الوقت لتنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق التي تتطلب فصل الفصائل الإرهابية عن المعتدلة، وطردها بشكل كامل من المنطقة منزوعة السلاح بعد سحب سلاحهم الثقيل. وبعد مرور شهرين على الاتفاق تبيّن أن معضلة الاتفاق كامنة في التعاطي التركي مع ملف (هيئة تحرير الشام) وملف المهاجرين، وهو الأمر الذي وصفته المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، في الخامس عشر من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، بالعجز التركي.

علاوة على ذلك، قبيل توصل تركيا وروسيا إلى الاتفاق، كانت موسكو بصدد الحديث عن عمليات محدودة النطاق في أرياف حماه الشمالي وإدلب الجنوبي، ومثلث سهل الغاب وصولًا إلى جسر الشغور، بهدف تأمين قاعدتي (جورين) و(حميميم) وإرضاء للنظام في تأمين مداخل مدينة حلب عبر السيطرة على ريف حلب الشمالي، وتأمين طريق غازي عنتاب حلب، لكن روسيا عزفت عن الأمر مؤقتًا، لتخفيف وتيرة الاحتقان الغربي الأوروبي الرافض أي عملية عسكرية في إدلب، ومن خلال التصعيد الأخير؛ اتضح أن المناطق المستهدفة من قبل النظام وروسيا وإيران هي نفس المناطق التي كانت موضوعة ضمن العمليات الجراحية، وعلى ما يبدو أنها عادت للواجهة من جديد لنزع استحقاق عسكري توظفه روسيا سياسيًا مستقبلًا.

وما يرشح هذا الطرح نجاحُ روسيا في إفراغ المناطق الدفاعية للمعارضة؛ حيث إن المنطقة منزوعة السلاح أُنجزت من طرف المعارضة فقط، دون إقدام النظام على سحب سلاحه الثقيل في الضفة الأخرى، وقد تلجأ روسيا إلى استثمار الميليشيات الإيرانية لسحب تلك المناطق من يد المعارضة، بغطاء جوي روسي، لكن هذا لا ينفي معوقات العمليات أمام تواجد 70 ألف عنصر من فصائل المعارضة مدعومين من قبل تركيا التي تعتبر إدلب ضمن ملفات الأمن القومي التركي، لكن روسيا تعمل أيضًا على نزع شرعية عملياتها، من خلال الذرائع التي تقدمها على مضض لتركيا، في الضغط عليها وحشرها بالزاوية والقول إنها عاجزة عن إنهاء ملف (هيئة تحرير الشام) وهي ورقة رابحة بيد روسيا وعبء عليها في الوقت نفسه.

وقد نشهد في الأيام القادمة، في الإطار العسكري، عمليات محدودة النطاق تقود بالنهاية إلى تطويق محافظة إدلب المدينة، ومدى تحقيق ذلك متوقف على الدور التركي في عدم اتخاذه خطوات للجم روسيا والنظام.

استحقاق سياسي وخلط الأوراق

تقوم موسكو من جانب سياسي بالضغط على الجانب التركي، من خلال العمليات العسكرية الأخيرة لنيل استحقاق روسي في اللجنة الدستورية؛ ذلك لأن تركيا لها اليد العليا بالضغط على المعارضة سياسيًا وعسكريًا، فروسيا تعمل على جعل الغالبية من أعضاء اللجنة الدستورية يكونون محسوبين عليها، بطريقة تضمن لها السيطرة على أعمال اللجنة في صياغة دستور يقودها إلى تفصيل حلّ سوري روسي على المقاس، يضع المعسكر الغربي والأوروبي تحت سياسية الأمر الواقع، من أجل المساهمة في ملف إعادة الإعمار وإعادة اللاجئين بعيدًا عن جنيف، ولعل الرسائل العسكرية الأخيرة هي بمثابة ضربة استباقية قبل جولة أستانا المقبلة، التي من المؤكد أن ملفَّي الدستور وإدلب سيكونان على قائمة المباحثات.

يُضاف إلى الأهداف الروسية تعزيز نفوذها أمام المعسكر الغربي في منطقة شرق المتوسط، كقوة فاعلة تهدف إلى إحداث نوع من التوازن مع الولايات المتحدة على زعامة المنطقة، وفتح قنوات جدية للتفاوض مستقبلًا بملفات عالقة، كالخلاف على المنطقة القطبية الشمالية وملف جزيرة القرم.

ثمة سببٌ آخر للتصعيد الأخير، هو خلط الأوراق أمام عمل لجنة منظمة مكافحة الأسلحة الكيمياوية، التي عزمت مؤخرًا على العمل في الإحاطة الكاملة حول مرتكبي المجازر الكيمياوية في سورية، لذا فإن روسيا كعادتها، وكما فعلت في خان شيخون سابقًا، ترغب في إغراق اللجنة بالتفاصيل حفاظًا على حليفها الأسد على أقلّ تقدير، ريثما تحاول نزع استحقاقات سياسية كانت قد عزمت عليها عقب سيطرتها على مدينة حلب، أواخر 2016. وإن كل التحركات الروسية قد تنعكس سلبًا على سلوك النظام وروسيا، حيال أي تحرك غربي وأوروبي جديد داعم لموقف تركيا في إدلب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق