مقالات الرأي

قتلنا الفارس في “معقل الثوار”

“أحد النشطاء الأكثر شهرة في سورية، اغتيل في معقل الثوار”، هكذا عنونت صحيفة (واشنطن بوست) مقالًا يتحدث عن خبر اغتيال رائد الفارس وحمود جنيد.

ناشطون سوريون يُطلقون حملة، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ضد انتشار الملثمين، وطالب هؤلاء السلطات المعنية بمنع اللثام.

الاغتيال في معقل الثوار، والاعتصام أمام الحكومة أيضًا في معقل الثوار، ومطالبة السلطات بمنع اللثام في معقل الثوار.

عنوان (واشنطن بوست) فضيحة حقيقية، فإدلب عامة وكفرنبل خاصة هي معقل الثوار فعلًا، أمام الإعلام الغربي، وأمام الدول صديقة الشعب السوري منها وعدوته على حد سواء، وأما عمليًا، على أرض الواقع، فإنها أكثر المناطق السورية انفلاتًا أمنيًا، وأكثرها خطرًا على الثوار والمعارضين والناشطين المدنيين، وأكثرها تنفيذًا لعمليات اغتيال عشوائية حينًا، ومنظمة حينًا آخر، وأما خبر الحملة ضد اللثام فيكاد أن يكون خبرًا ساخرًا، ولا يحتاج القارئ إلى متابعة القراءة حتى الفقرة التي تقول: “الحملات السابقة لم تلقَ استجابة من قبل الفصائل، التي يعتبر عناصرها أبرز المستخدمين للثام في إدلب”.

المتهم باغتيال الناشط المدني الأكثر نشاطًا، اغتيال مهندس اللافتات في كفرنبل، واغتيال الرجل الذي كان بإمكانه اختيار أي دولة غربية، بما فيها أميركا، للعيش فيها ومواصلة دعمه للثورة السورية من خلف الشاشة، المتهم باغتياله معروف هو (هيئة تحرير الشام) “فرع القاعدة” في سورية.

لم يحتج الإعلام السوري، بشقيه المعارض والمؤيد، إلى أكثر من دقائق للجزم بأن (هيئة تحرير الشام) المسيطرة على كفرنبل هي التي اغتالته، وهي التي هددت الفارس أكثر من مرة، والتي ما فتأت تضايقه بدءًا من إغلاقها (راديو فريش) الذي أسسه الفارس، ومرورًا باعتقاله، وأخيرًا اغتياله على ما يبدو.

(تحرير الشام) أكثر الكارهين للنشاط المدني في مناطقها، وهي تأتي بالتصنيف بعد النظام السوري، وربما يكون النظام أكثر رغبة في موت رائد الفارس وحمود جنيد، ولكنه لم يضطر إلى قتلهما، إذ قامت الهيئة بالواجب، واغتالتهم في وضح النهار في بلدتهم، أمام أعين الجميع.

المفارقة أن إدلب، من وجهة نظر الإعلام، هي منطقة سيطرة المعارضة، وأن السوريين الذين يتخذون لأنفسهم ألقاب “ناشط، ثورجي، صحافي” الذين يتغنون بأن المعارضة ما زالت تملتلك بعض الكيلومترات، هم ذاتهم يشتمون اليوم (هيئة تحرير الشام)، وينددون بالجريمة المروعة التي اقترفتها الهيئة بقتلها للفارس، وهم ذاتهم أيضًا الذين لا يعرفون شيئًا عن الحياة التي يعيشيها الناس في إدلب وريفها.

المعادلة التي يفرضها قانون إدلب و(حكومة الإنقاذ) ولا يتجرأ أحد على المساس بها، أن إدلب هي معقل الثوار، والواقع يقول إن معقل الثوار محكوم من قبل القاعدة وبعض الفصائل التي لا تختلف كثيرًا عن (القاعدة)، وأن إدلب اليوم هي منطقة بلا تسمية، تكتظ بالسكان من معظم مناطق سورية، وتبتز النازحين، من حيث أسعار السلع وإيجارات البيوت، وهي منطقة بلا قانون يحكمها، وتشترك في حكمها الدول الضامنة، بشكل مباشر أو غير مباشر، فهي منطقة نفوذ تركي وروسي وإيراني، بالإضافة طبعًا إلى نفوذ (القاعدة).

في اتفاق سوتشي، انسحبت (الهيئة) من المنطقة المتفق عليها، انسحبت تحت جنح الظلام، واتضح أن المنطقة العازلة تلك تم اجتزاؤها بكليتها من مناطق نفوذ المعارضة، من دون أن تحتج المعارضة، وأي معارضة ستحتج، إن كان اللقب فضفاضًا إلى درجة تضيع فيها الملامح؟ فتارة المعارضة هي (الائتلاف) وتارة (حكومة الإنقاذ) و(هيئة تحرير الشام)، وتارات أخرى هي ما تبقى من فصائل الغوطة ودرعا وحمص الذين لم يوقعوا على تسوية مع النظام، فاستقروا بين إدلب وتركيا، منهم من بدأ مشاريع تجارية في تركيا، وآخرون نشروا صورهم وهم يزورون المناطق السياحية.

إن كان هؤلاء هم المعارضين السوريين، فمن يكون الناس الذين يعيشون في إدلب وريفها، وفي بعض مناطق ريف حلب الشمالي، الناس الذين يتلقون القذائف التي يرسلها الأسد، ويخضعون لحكم فصائل لا يعرفون من القانون إلا توجيه السلاح والبطش وإقامة المعتقلات.

ماذا تفعل (هيئة تحرير الشام) حتى اليوم في إدلب؟ وماذا يفعل (الائتلاف) حتى اليوم في تركيا، وكيف سيقتنع شعب الخيم واللجوء، وهم يحاولون تدفئة بعضهم لأن الخيمة التي تحميهم من المطر والبرد القارس، اتضح أنها مجرد قطعة قماش، كيف سيقتنع شعب الخيم واللجوء بأن ردة الفعل على اغتيال رائد وحمود تلخص ببضع شتائم فيسبوكية، صرخات وجع، مبارزة بالكلام الأدبي، والنحيب على ثورة اغتيل اثنين من أكثر رموزها مدنية وصدقًا وكفاحًا.

فشلنا وهزمنا اليوم أيضًا، نعترف بأن اغتيال رائد وحمود جاءت ضربة غدر، وتبدو مقولة “الضربة لا تميتك تقويك” غير صالحة، فبالأمس القريب استطاعوا أن يتلاعبوا بمشاعر الناس في إدلب، عندما سمحوا لهم برفع علم الثورة في تظاهرات حاشدة، واليوم قتلوا أحد رموز هذا العلم، وسواء الأمس أو اليوم، فلنعترف أنهم في كل مرة يخدعوننا، نحن الجالسين خارج الدمار والقتال للقمة العيش.

الوحيدون الذين صمتوا بين كل الضجيج الفيسبوكي السوري، هم أهل إدلب وسكانها، فالكلمة لها ثمن هناك، حتى إن جنازة رائد وحمود لا تشبه في شيء جنازة شباب في عمرهم وكفاحهم، كانت جنازة باهتة. علم الثورة التي قُتلوا في سبيلها، واختاروا البقاء تحت خطر الموت سنوات ثمانية، ألقِي على عجل على جسدهم… أهل وسكان إدلب هم من بكوا رائد وحمود، وهم اليوم وحدهم، ينتظرهم الآخرون ليموتوا، حتى يبكوهم ويرثوهم ويضعوا صورهم على صفحاتهم في الفيسبوك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق