هموم ثقافية

نجاح في السياسة/ رسوب في الأخلاق

حاول كثير من الباحثين الجواب على سؤال بسيط طرحه شكسبير في مسرحيته (يوليوس قصير)، وهو: لماذا سمح بروتوس لأنطونيوس بتأبين قيصر؟ ولماذا أخلى المكان، عندما بدأ خصمه السياسي بخطبته الشهيرة التي غيّرت رأي الجماهير المؤيدة لبروتوس، وأدخلت البلاد في حرب أهلية، بين معارضي قيصر ومؤيديه؟

قد تبدو الإجابة بسيطة، بالقياس إلى الأسئلة الأخرى التي تطرحها هذه المسرحية السياسية، مثل سؤال الديمقراطية، والصراع على السلطة، والثورة والانقلاب، والثورة المضادة…الخ، لكن الأمر ليس بهذه البساطة.

في بداية السنة الثانية لدراستي الإخراج المسرحي، طلب الأستاذ أن يختار كل طالب منا، نصًا معروفًا، لكاتب مسرحي معروف. كان عددنا أربعة طلاب، وكانت مهمتنا -على مدار سنة كاملة- هي تلخيص هذا النص إلى صفحة أو اثنتين؛ بحيث يخلو هذا الملخص -تمامًا- من الزوائد، ويوضح -بشكل جلي- ماذا حدث، ولماذا وكيف.

كان اختياري –يومها- هو مسرحية يوليوس قيصر، ما جعل الأستاذ يستغرب هذا الخيار، ليس لأن مسرح شكسبير صعب وحسب، بل لأنني اخترت مسرحية (يوليوس قيصر) بالتحديد. سألني: لماذا يوليوس قيصر؟ “حتى أنت يا بروتوس؟” قلت: لا! بل أريد أن أبحث في الفرق بين الثورة والانقلاب...! كلمتان كبيرتان جعلتا الأستاذ غير مطمئن لهذا الخيار! كان يريدني أن أختار نصًا أقلّ تعقيدًا، لكنه أمام إصراي، وافق على خياري، شريطة أن أخبره في الدرس القادم: ما هو الفرق بين الثورة والانقلاب.

ظننت أنه أصعب سؤال يمكن أن يصادفني، لكن سرعان ما طرح عليّ سؤالًا آخر في الدرس التالي: لماذا سمح بروتوس لأنطونيوس بتأبين قيصر؟ ولماذا أخلى المكان عندما بدأ خصمه بخطبته؟ كان هذا السؤال أصعب بكثير من ذاك! لأنك تستطيع ببساطة أن تعرف الفرق بين الثورة والانقلاب، بالرجوع إلى كتبٍ تحدثت عن ذلك، لكن لن يستطيع أحد أن يدخل إلى رأس بروتوس وقلبه، وأن يحلل سلوكه ومراميه، ذلك السلوك الذي أدى عمليًا إلى قتل صاحبه، وهزيمة مشروعه “الديمقراطي”. فلماذا فعل بروتوس ذلك؟

إن ترك الساحة بعد جريمة القتل، يوحي بأنه كان منسجمًا مع نفسه واثقًا بها، وبالجماهير التي أيدت “ثورته”، لكن، هل كانت هذه هي الحقيقة، أم كان –في الجوهر- قليل العزم مترددًا؟ هل كان نادمًا على فعلته، أم أن قواه خارت أمام جلال الموت، فتحول من رجل سياسة إلى قاتل؟

قد تكون هذه الأجوبة صحيحة! لكن شكسبير -حسب ظني- ذهب إلى ما هو أبعد من هذا وذاك، عندما حاول الكشف عن مقولة أكثر تعقيدًا ومعاصرة، هي: العلاقة بين البعدين الأخلاقي والسياسي للفعل الثوري، ناهيك عن سؤال آخر، هو سؤال “العنف”، في الممارسة السياسية. فنحن لو سألنا بروتوس: هل يجوز القتل من أجل الديمقراطية؟ لقال حتمًا: لا! رغم مشاركته في هذا الجرم، وذلك لأنه أولًا يحبّ قيصر، وقد عاش صراعًا مريرًا قبل موافقته على قتله، وثانيًا يتمتع بقيم نبيلة وأخلاق عالية، لا تسمح له بالقتل، ثم إن الغاية لديه لا تبرر الواسطة؛ أي أنه لم يكن “رجل سياسة”، كما يظن البعض! فكان صراعه ليس مع الآخر (قيصر) والدكتاتورية، بل مع نفسه وقيمه العليا، وهذا هو الفرق بين بروتوس النبيل الصادق الحقيقي وأنطونيوس (البراغماتي/ الانتهازي) الذي وجدها فرصة سانحة لامتطاء الثورة المضادة وقيادتها، مستنكرًا قتل قيصر، ومناديًا بقتل الخونة…!

ولا أستبعد أن يكون أنطونيوس هذا، على علمٍ مسبق بالمؤامرة، لكنه كـ “سياسي محنك” لم يحرك ساكنًا، بل تربص بالقاتل والمقتول معًا، كي يصل إلى السلطة… وقد أفلح في ذلك؛ فكان أن نجح في السياسة، ورسب في الأخلاق.

هل نستطيع القول إذن: إن السياسي يكون ناجحًا أكثر طالما تجاوز القيم الأخلاقية، وكان أكثر قدرة على تناسيها؟ أم إن السياسي الحقيقي هو ذاك الذي تكون السياسة لديه وسيلة ورافعة للقيم الأخلاقية العليا، قيم الحق والجمال والحرية والعدالة والمساواة؟

لقد أجابت شرعة حقوق الإنسان عن هذا السؤال، عندما حرّمت القتل بأشكاله كلها، كما حرّمت العنف سواء أكان غاية أم وسيلة سياسية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق