ترجماتسلايدر

لا نهاية تلوح في الأفق “للحرب الأهلية السورية الكبرى”

بعد بضعة أشهر، الحرب الأهلية السورية -“الحرب الأهلية السورية الكبرى” كما أسميها- ستدخل عامها الثامن. اندلع الصراع في نيسان/ أبريل 2011 بسبب الموجة العامة من الاحتجاجات الضخمة ضد النظام الإقليمي في الشرق الأوسط التي اجتاحت المنطقة، وأدت إلى إطاحة القادة المستبدين: بن علي في تونس (ثورة الياسمين) في كانون الثاني/ يناير 2011، معمر القذافي في ليبيا (تشرين الأول/ أكتوبر 2011) وحسني مبارك في مصر في شباط/ فبراير من العام نفسه.

ولكن كما يمكن للمرء أن يلاحظ، في حين أن إطاحة زعماء البلدان المذكورة حدثت بسرعة كبيرة -في غضون شهرين أو ثلاثة- تستمر الحرب الأهلية السورية بلا هوادة مع تداعيات جيوسياسية هائلة على المنطقة برمتها من حيث الأمن والاستقرار. لكن لماذا أثبت النموذج/ الباراديغم السوري أنه مختلف تمامًا عن النماذج السالفة الذكر؟ كانت هناك بالتأكيد اختلافات من حيث المدة، وأيضًا من حيث النتائج المدمرة.

التقاء الجيوسياسيات والاستراتيجيات الجغرافية

تكمن الإجابة في عنصرين أساسيين: الموقف الجغرافي السياسي لسورية في قلب (ريملاند) أوراسيا، وقربها من الحدود مع إسرائيل. أثبت هذان العاملان أنهما المحفزان لما حدث هناك. على نحو أكثر تحليلًا، كان الموقع الجيوسياسي لسورية يجذب بشكل تقليدي مشاركة القوى العظمى. كان هدف روسيا الاستراتيجي التاريخي هو أن تقترب من المياه الدافئة للبحر الأبيض المتوسط.

اصطفت سورية إلى جانب روسيا خلال الحرب الباردة، وأرضت/ لبّت سمة بارزة لما يسمى “الحرب الباردة العربية” الاستراتيجية الروسية الإقليمية الكبرى. قدمت قاعدة طرطوس، التي بنيت في عام 1971، وتقدم لموسكو منفذًا على البحر المتوسط، وفي نفس الوقت تعطي موسكو الفرصة لتوسيع نفوذها في المنطقة.

العامل الآخر هو الاستراتيجيات الجغرافية للقوى العظيمة والإقليمية. كان لدى الولايات المتحدة وبعض الدول السنية هدفٌ رئيسٌ يتمثل بإضعاف المحور الشيعي (إيران، وحزب الله بالإضافة إلى الأسد العلوي) في المنطقة الذي يمارس ضغطًا مستمرًا على إسرائيل. في هذا الصدد، أيدوا المعارضة المسلحة ضد بشار الأسد.

ومع ذلك، فإن أفعالهم قللت من شأن قضيتين مترابطتين: من الذي يشكل المعارضة بالضبط، والإرادة السياسية لروسيا للدفاع عن وكيلها في الشرق الأوسط. من هذه اللحظة، فُتح صندوق المغامرات والمفاجأت.

ما بدأ كاحتجاج شعبي ضد حكم الأسد في سورية أصبح حربَ استنزاف مدمرة بين القوى العظمى ووكلائها، مع مئات الآلاف من الوفيات وملايين اللاجئين. علاوة على ذلك، أنجبت الحرب الأهلية السورية “الوحش”، ما يسمى بالدولة الإسلامية (داعش).

باختصار: بينما أصبح الربيع العربي شتاءً عربيًا في المنطقة العربية، فإنه قد تحوّل في سورية إلى عاصفة ثلجية.

التغييرات الإقليمية في ميزان القوى

وكما ذكرنا من قبل، فإن القوى العظمى قلّلت من شأن التهديد الجهادي في سورية والعراق، مما ترك فراغًا في السلطة كان لا بدّ أن تملأه داعش، وهي منظمة إرهابية أصولية حققت مكاسب هائلة في العراق وسورية.

وكانت النتيجة الأخرى المسعى الذي بذله الأكراد السوريون لتشكيل الحكم الذاتي الإقليمي، حيث كانوا يحاولون عن غير قصد استغلال عدم الاستقرار الإقليمي، من أجل تعزيز تقرير مصيرهم. ومع ذلك، فإن أفعالهم أزعجت أنقرة، التي تعاني من متلازمة سيفر وتنظر إليهم على أنهم فرع لحزب العمال الكردستاني. اجتاحت تركيا أخيرًا سورية في كانون الثاني/ يناير عام 2018 واستولت على منطقة عفرين.

على الرغم من حقيقة أن روسيا وتركيا اقتربتا من مواجهة مسلحة، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 بعد إسقاط سلاح الجو التركي لطائرة روسية، فقد أصلحت الدولتان علاقاتهما وبدأتا التعاون بما يخص الحرب الأهلية السورية. حدث هذا على الرغم من حقيقة أنهم يدعمون أطرافًا مختلفة في الصراع.

ألعاب القوة العظمى وردّات الفعل الإقليمية

بدا وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى المشهد، وكأنه يتميز عن المشهد الاستراتيجي، خاصة عندما أمر بقصف القاعدة الجوية السورية في 7 نيسان/ أبريل 2017، ردًا على هجوم كيمياوي على قرية سورية نسبته الإدارة الأميركية إلى الأسد.

بعد عام، نفذت فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة ضربات صاروخية ضد مواقع حكومية في دمشق، مجددًا ردًا على هجوم كيمياوي مزعوم منسوب إلى نظام الأسد على بلدة دوما السورية. ومع ذلك، فإن تورّط روسيا في الحرب في أيلول/ سبتمبر 2015 أثبت أنه حاسم بمعنى أنه غيّر ميزان القوى المحلي بشكل جذري وأنقذ حكم الأسد. في نفس الوقت، وضع قيودًا خاصة على أفعال أخرى من قوى أخرى، كون هذا قد يقود إلى زيادة التصعيد والمواجهة بين القوى العظمى.

أضاف انسحاب ترامب من الاتفاق النووي لعام 2015 مع طهران عنصرًا آخر من عدم اليقين/ الشك في المنطقة، في الوقت الذي هاجمت فيه مواقع في سورية تدعي أن إيران أو حزب الله من يستخدمانها.

مستقبل سورية غير مؤكد

على أي حال، تغامر القوى العظمى والإقليمية في سورية بلعبة شد الحبال، بينما توازن القوى الإقليمية والمحلية بحالة غير مستقرة للغاية. خلق اتفاق إدلب بين روسيا وتركيا منطقةً عازلة في المحافظة، واستبق مأساة إنسانية وربما تصادم بين القوى الإقليمية والقوى الكبرى. على الرغم من أن المشكلة كلها بعيدة عن الحلّ.

لا تزال الأمم المتحدة تثبت أنها غير قادرة على المساهمة بأي حل للصراع، لأن القوة الكلية المتفوقة للقوى العظمى ومصالحها الجيوستراتيجية، قوضت الإجراء من البداية.

من ناحية أخرى، لا تضمن عملية أستانا (التي بدأت في كانون الثاني/ يناير 2017) بين روسيا وتركيا وإيران (والتي أنشأت أربع مناطق خفض تصعيد) أي نتائج إيجابية للتسوية النهائية للصراع، لأنها تمّت من خلال قوى تحاول الترويج والتوفيق بين مصالح متضاربة. علاوة على ذلك، لا يبدو أن المعارضة مستعدة لقبول العملية مع إيران كقوة ضامنة، وبدافع/ غرض الخوف ستتوه عن هدفها بخطة شاملة تقود إلى عملية انتقال سياسي من دون الأسد.

مما قيل في هذا التحليل، يفهم المرء مدى عدم استقرار الوضع والقلق، في البلاد التي مزقتها الحرب، ولماذا تمت إطالة أمد الصراع إلى حد بعيد، حتى وصل إلى “الحرب الأهلية السورية الكبرى”.

اسم المقال الأصلي No end in sight for the ‘Great Syrian Civil War’
الكاتب نيكوس بانايوتايديس، NICOS PANAYIOTIDES
مكان النشر وتاريخه آسيا تايمز، ASIA TIMES، 16/11
رابط المقالة http://www.atimes.com/no-end-in-sight-for-the-great-syrian-civil-war/
عدد الكلمات 860
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق