مقالات الرأي

نحن والعدالة

بات من الواضح أن المشهد العام ليس مشجعًا للتفكير بمستقبل لسورية، إذ يبدو أن الأمور يعاد ترتيبها بتوافق دولي، تحت مسمى “حل سياسي” يخرج فيه نظام دمشق “منتصرًا” على الشعب، ويحق له هو وحده فقط، بمعية الأوصياء عليه طبعًا، أن يفرض شكل المستقبل الذي بدأ فعلًا برسم ملامحه من خلال إعادة نصب التماثيل، التي تمثل عقود الاستبداد، لتقف شاهدًا على الخراب، وتتحدى فكرة الحرية التي دفع السوريون في سبيلها تضحيات كبيرة، وقد كف صانعو السياسة الدولية عن تكرار جملتهم المعتادة طيلة السنوات الماضية بأن لا مستقبل للأسد في سورية، وهي الجملة التي كانت مفضلة لدى وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، وكان يرددها من دون توقف، ولكن من المؤكد أن انشغال بلاده بترتيب أوراقها بعد جريمة اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي، سيجعل سورية حدثًا ثانويًا، وقد ينساها الجبير بشكل تدريجي. بل إن المبعوث الأميركي إلى سورية جيمس جيفري، الذي اعتبر مؤخرًا أن الأسد عارٌ على البشرية ومجرم حرب، أكد أن بلاده لن تسعى للتخلص من هذا العار، وأنها لن تتدخل في “الحل السياسي” ملقيًا الكرة في ملعب الشعب السوري، ولكن أي شعب سوري؟

في الأثناء، تبذل روسيا قصارى جهدها كي تعيد طرح الأسد لاعبًا على المستوى الإقليمي، تمهيدًا لإعادته إلى اللعبة الدولية بأكملها، إذ يقترح لافروف إعادة مقعد سورية في جامعة الدول العربية، معتبرًا أن سحب عضوية سورية كان خطأ كبيرًا، وللأمانة فقد كان هذا الأمر خطأ، إذ ما الذي حققته المعارضة السياسية من خلال جلوسها بديلًا للنظام على ذلك المقعد، وهل خرجت بنتيجة سوى أن رئيس الائتلاف آنذاك سمح له بالجلوس بين قادة الدول، ليلتقط صورة للذكرى لا أكثر في قمة الدوحة؟ أصلًا هل يتذكر أي سوري أن عضوية سورية معلقة في جامعة الدول العربية، وما الذي يعنيه ذلك؟

وكي لا نغرق أكثر في المشهد السوداوي السائد، علينا أن ننتبه إلى بعض التفاصيل التي تمر هنا وهناك، وتشكل دفعة تفاؤل، إذ أصدر القضاء الفرنسي مؤخرًا مذكرات توقيف بحق ثلاثة من كبار الضباط الأمنيين في نظام دمشق، وهم علي مملوك وجميل حسن وعبد السلام محمود، بتهم التورط في جرائم ضد الإنسانية، وبمقدار ما تبدو تلك المذكرات رمزية، وقد لا تعني شيئًا لضباط أمنيين قد يمضون ما تبقى من حيواتهم دون أن تطأ أقدامهم التراب الفرنسي، وعليه فلن يتم اعتقالهم أو توقيفهم، إلا أنها تعني أن ثمة إمكانية لمحاصرتهم وتحويلهم إلى مجرمين دوليين، ما يعني عدم نجاتهم من الجرائم التي اقترفوها، ويعني أيضًا أن العدالة تستطيع أن تقتص منهم في وقت من الأوقات. وعند مفردة العدالة التي كانت وما زالت أحد أهم أسباب قيام الثورة السورية، ينبغي التوقف طويلًا، إذ أجريت مؤخرًا ما يمكنني اعتباره استطلاعًا للرأي، عبر صفحتي الشخصية على (فيسبوك)، فسألت مجموعة من الأسئلة عن إمكانية تحقيق العدالة، وعن نوعية العدالة التي يحلم السوريون بتحققها، وشارك في الاستطلاع عدد من الأصدقاء من مستويات ثقافية مختلفة، لكنهم اتفقوا جميعًا على أن فكرة العدالة ليست سوى فكرة طوباوية، قلّما تحققت كما يحلم بها الناس، وأن العدل المنتظر هو عدل السماء فقط، إذ كيف نعتبر مذكرة توقيف بحق ثلاثة ضباط أمنيين انتصارًا للعدالة، والمذكورون متورطون في جرائم ضد الإنسانية، وقد تسببوا في قتل وتعذيب آلاف الأشخاص، وهل مجرد وضعهم في سجن فرنسي، في يوم من الأيام، قد يعيد الحق لأصحابه؟ ثم هل يمثل اقتياد بشار الأسد، وهو حلم بعيد المنال، إلى محكمة العدل الدولية مستقبلًا، تحقيقًا للعدالة؟ وماذا عن عشرات آلاف الضحايا والمشردين، والخراب الكبير الذي سببه لسورية؟ هل يمكن اختصار كل ما فعله بمحاكمة أوروبية مثلًا، ستمكنه من توكيل فريق من المحامين، وسيلقى معاملة مثالية، لم تتوفر في يوم من الأيام لأيّ من ضحاياه؟ وعلى الرغم من أن كل هذه هي احتمالات غير قابلة للتحقق واقعية، أقله طالما أن نظام دمشق ما زال ممسكًا بزمام السلطة، فإنها في الحقيقة تمثل العدالة، التي علينا أن نقبل بها، ونعترف بأنّها، وإن كانت منقوصة ولا تعيد الحقوق لأصحابها، أقصى ما يمكن الوصول إليه، حال مطالبتنا بتحقيق العدالة؛ لأن انسياقنا إلى فكرة “الانتقام” سيقودنا حتمًا إلى دوامة لا تنتهي من الأعمال التي ستعيد إنتاج حالة الاستبداد، فالعدالة -وإن كانت تمثل في حالتنا السورية عدالة للجناة لا للمجني عليهم- سيكون الحرص على تطبيقها كفيلًا بإنقاذ مجتمعاتنا من دوامة العنف، التي وقعت فيها مجتمعات أخرى. وقد ضرب أحد الأصدقاء مثلًا عن قياديين في تنظيم (داعش) تم إلقاء القبض عليهم، وتمت محاكمتهم، وتبرئة بعضهم وفق نظام قضائي عشائري، لكن تلك التبرئة لم يقبل بها المجتمع، وقد وقعت لاحقًا أعمال انتقام. والسؤال هنا: هل أولئك المنتقمون، وهم أهل ضحايا، مجرمون أم أصحاب حق؟ الأمر نفسه حدث في ليبيا في أعقاب سقوط نظام معمر القذافي، إذ وقعت العديد من الأعمال الانتقامية التي أغفلها القضاء، واعتبرها جزءًا من الحراك الثوري، بل اعتُبر المنتقمون أبطالًا.

تبدو معادلة تطبيق العدالة، وهي كما أسلفت فكرة افتراضية، رهينة بشكل السلطة التي سوف تتولى زمام الأمور مستقبلًا، فالسلطة هي الوحيدة القادرة على فرض نظام قضائي يرضي الجميع، شريطة ألا يكون انتقاميًا ولا انتقائيًا أيضًا. وهذه أفكار قد يتسنى مناقشتها في مقالات لاحقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق