مقالات الرأي

العداء بين الطوائف

لم تُبقِ الثورة السورية “سترًا مغطى” على مكونات المجتمع السوري إلا كشفته؛ فظهرت الهويات السورية الصغيرة التي تكّن العداء لبعضها، ولم يكن شعار “الدين لله والوطن للجميع” إلا شعارًا من الشعارات التي تمت المتاجرة بها، فقد تبيّن أن الدين ليس لله وإنما للبشر الموتورين، فهو سلاح في أيدينا لنقتل باسمه بعضنا، وننهب ونعفّش باسمه أملاك غيرنا، وأن الوطن لم يكن يومًا للجميع، وإنما للطوائف والقبائل وزعماء الحارات وزعرانها، وفي ما بعد للمخابرات و”العسس” ولواحقهما، ولما لم يكن بمقدورنا تتبع كل حالات الهويات السورية الصغيرة، فقد ارتأيت أن يقتصر الحديث عن بعض قصص “حب الطوائف والأديان!” لبعضها، وذلك من خلال استرجاع ما مرّ معي شخصيًا أو سمعته.

لم يتوقف مديح “المعارضين” للمجتمع السوري وصفاته الجميلة، ومحبة الناس لبعضها، قبل توصّل الأسد إلى استعباد الشعب السوري، وإذا كان في ذلك الكلام بعض الصحة، فإن أغلبه لا يعدو أن يكون نوعًا من أحلام اليقظة والهروب من مواجهة الحقيقة الصعبة التي تكشفت عن تقصيرنا في فهم مجتمعنا المفكك، والموَحد بفعل “العصا”؛ عصا الاستبداد السياسي وغيره من أنواع الاستبدادات، فقد تبين أن العداء بين الطوائف ليس مقتصرًا على السنة والشيعة، أو العلويين والسنة، أو الدروز وغيرهم من الطوائف، فقد سبقهم المسيحيون إلى ذلك، ولا أقصد العداء الكاثوليكي البروتستانتي، الذي فجر أوروبا وشقق جدران إيمانها، وأدى إلى دخول النور وطرد الظلام، وإنما أقصد المسيحيين الشرقيين، وتحديدًا العداء الأرثوذكسي – الماروني في سورية، فقد حدث أن عشقَ أحد أبناء قريتنا الأرثوذكسية صبيّة مارونية من القرية المصاقبة لقريتنا، في خمسينيات القرن الماضي، ولكي يتزوجا كان لا بد من أن يخطف الشاب الفتاةَ، ويهاجرا معًا إلى دمشق للعيش فيها، بعيدًا عن سكاكين الطائفة “الشقيقة”.

لم يكن في كلامي السابق مبالغة، فلا زلت أذكر من طفولتي قصة سمعتها تقول: إن كهلًا مارونيًا وطفلًا كانا يمران من ساحة كنيسة قريتنا، فسقط من الفتى “نصف فرنك” على الأرض، وعندما حاول التقاطه منعه الكهل، قائلًا له: “إذا أردت التقاط نصف الفرنك؛ فإنك تكون بذلك قد حنيتَ رأسك لكنيسة الروم، وهذا كفرٌ يا ولدي”. وما علينا إلا أن نتصور هذا الطفل بعد سنوات، وقد وجد أمامه تنظميًا “داعشيًا” مسيحيًا، وكيف سيكون تصرفه إذا وقع بين يديه أرثوذكسي كافر!

في السياق نفسه، اضطر “ماروني” من القرية نفسها، إلى طلاق زوجته المجنونة، كي يتزوج غيرها، ولما كان الطلاق ممنوعًا عند الكاثوليك، ومنهم الموارنة، أيًا كان السبب، فقد فضل الرجل أن يُشهر إسلامه على أن يتحول إلى المذهب الأرثوذكسي، عملًا بالمثل الشعبي الذي كان منتشرًا في حاضنته الشعبية: “مسلماني ولا روماني”، وقد استمر الرجل في العيش في بيته وقريته من دون أن يتعرض له أحد أو يهاجر إلى مكان آخر، كما حصل مع العريس الأرثوذكسي والعروس المارونية.

في بداية الستينيات من القرن الماضي، تم تعيين أخي الكبير معلمًا وكيلًا في قرية (عوج)، كنت يومذاك في الصف الخامس الابتدائي، فقررت مع ثلاثة من أصدقائي المغامرة بالذهاب من قرية حزور الى قرية عوج، وللذهاب مباشرة، حسب خط النظر، كان علينا أن نصعد ثلاثة جبال وأن نهبط وديانها، وأن نمر ببعض القرى العلوية، والتركمانية، قبل الوصول إلى قرية عوج العلوية والمرشدية في الوقت نفسه. كانت نصائح كبار السن من قريتنا أن ننتبه من النوم عند العلويين، فهؤلاء دمهم أزرق وخطرون. وصلنا في آخر النهار إلى عوج، وأمضينا ليلتنا، واستيقظنا أحياء، وعندما أخبرت أخي عن مخاوفنا؛ ضحك، ونقلها إلى أصدقائه العلويين، وأذكر منهم الشاعر ممدوح عدوان، الذي كان معلمًا وكيلًا أيضًا.

عام 1984، كنت والناشر الصديق أحمد منصور، ابن الطائفة العلوية، في بيروت، ضيوفًا في بيت شيخ شيعي، وهو صاحب دار نشر. دعانا الرجل إلى العشاء في بيته، بعد أن اشترينا من دار النشر المتخصصة بنشر الكتب الشيعية عددًا لا بأس به من المطبوعات. وفي أثناء السهرة، سأل صديقي العلوي الشيخَ الشيعي: هل العلويون أقرب إليكم من السنة؟ ضحك الشيخ بتهذيب شديد، وقال: السنة طبعًا أقرب إلينا، لأننا لا نعدّ العلويين مسلمين أصلًا! أما التحالفات السياسية فهي شيء آخر.

وفي أحد الأيام، سمعت كلامًا من “صديق” يقول فيه إنه يُفضّل اليهودي على السنّي، واعتبرت ذلك كفرًا إلى أن سمعت، يوم مذبحة مدرسة المدفعية في حلب من أحد الضباط البعثيين السنّة، وكنت وحيدًا في مكتبه، يقول مباشرة بعد إذاعة الخبر من إحدى المحطات اللبنانية: “حدهم الجهنم، إن شاء الله تدخل إسرائيل، وتريحنا من هذا النظام الحقير”. عندئذ تأكد لي أن مشاعر “الحب العظيم!” بين أبناء الطوائف “متبادلة”.

في زمن الثورة السورية، تفجرت مظلوميات الطوائف كلها: المؤيدة والمعادية، الحقيقي منها والمفتعل، حتى ليكاد من يتابع أخبارها يميل إلى الظن أن الشعب السوري لم يكن موجودًا في أي يوم من الأيام، وإنما هناك مجموعة من الأفراد.

في عام 1976، كنت في سجن المزة مع 62 سجينًا آخر من نفس التنظيم، في مهجع واحد. وبعد عام أفرج عني، فجاء أحد “شيوخ السياسة” لزيارتي وسألني: سمعت أن خلافًا نشب بين المناضلين السجناء، هل تستطيع أن تقول لي إلى كم فئة انقسموا؟ قلت له: كنا في المهجع 62 سجينًا، وقد انقسمنا إلى 62 حزبًا، وأحيانًا إلى أكثر.

خلال سبع سنوات من الثورة، تم نبش التاريخ العربي والإسلامي كله، ولم تبق واقعة واحدة فيه دون البحث فيها عن شتيمة للطوائف الأخرى، فهل تعلمنا شيئًا جديدًا؟!

نعم، يبدو أننا تعلّمنا أن نُضخّم الحقدَ في قلوبنا، وأن نجعل الحَكَم بيننا -كسوريين وكعرب وكمسلمين- التقربَ من “إسرائيل”، صحيح أن نظام الأسد باشر بذلك بشكل علني في بداية الثورة، على لسان رامي مخلوف، ولكن لحقته بعض شخصيات المعارضة وتمسحت بـ “إسرائيل” وزارتها علنًا. وعلى الرغم من أن سلوك هؤلاء كان فرديًا، كما في الحكايات التي رويتها قبل قليل عن “حب” الطوائف، فإننا لا نستطيع أن نُنكر انتشار هذه الأفكار بين الناس، بنسب متفاوتة.

أخيرًا، الثورة أحدثت تخلخلًا كبيرًا في المجتمع السوري، فقد كانت كالبركان الذي شقق قشرة الأرض كي يسمح للحمم أن تخرج إلى السطح فتبرد. وإن واجبنا اليومي هو العمل الآن على بناء مجتمع جديد، قبل أن تتكلس الحمم، يكون أساسه المواطنة وقيمها، والمساواة والعدالة والحرية، فإذا استطعنا فعل ذلك؛ فقد حققتالثورة أهدافها، وإذا لم نستطع؛ فالسلام علينا وعلى وطننا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق