مقالات الرأي

هل تبعث سورية “هتلر جديد”؟

ربما بات شبح “هتلر” يلوح في مخيلة بعض الساسة الأوروبيين. هذا ما أوحت به تصريحات الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، قبل أسبوعين، حينما تحدث عن حالة “جذام” قومي، تنتشر في القارة الأوروبية. لكن الرئيس الفرنسي لم يتطرق إلى أسباب عميقة للانتشار الراهن للشعبوية، في العالم الغربي، أو يبدو أنه ركنَ إلى التفسير الاقتصادي المرتبط بالأزمات المالية.

في مقابل التفسير الاقتصادي، تؤكد مدراس عريقة من المؤرخين أن التطرف القومي الذي أوصل أمثال هتلر إلى سدة الحكم في ألمانيا، مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، لم يكن نتاج الأزمة الاقتصادية عام 1929، فقط. بل كان نتيجة أكثر عمقًا لسلسلة من التطورات التاريخية التي عاشتها أوروبا، شكلت في مجموعها ملامح التعددية القطبية، التي ميزت تلك الحقبة، وما رافقتها من صراعات بين قوى صاعدة وأخرى مهيمنة تقاوم خسارة مكانتها. وكانت من أبرز أعراض تلك الحقبة أزمات إقليمية ودولية، كان يتم تأجيل حلها، أو ترقيعها، لتعود وتتفجر من جديد، لتشكل بمجموعها عوامل ضغط أدت لاحقًا إلى أن يكون اغتيال أمير نمساوي، كـ “القشة التي قصمت ظهر البعير”، وليندفع بعدها معظم اللاعبين الكبار حول العالم، إلى مواجهة عسكرية مباشرة، مرتين متتاليتين، كلفت العالم خسائر بشرية ومادية غير مسبوقة.

في الآونة الأخيرة، وصلت المخاوف من تكرار ظواهر ما بين الحربين العالميتين، إلى مستوى النخب القيادية، من قبيل ماكرون. هناك إدراك لدى نخب ومفكرين أننا نعيش أجواءً دولية، فوضوية، قد تتسبب في تكرار تجارب تاريخية كارثية، من قبيل الحربين العالميتين. كان ذلك لفترة طويلة، قد تقترب من عقد ونصف من الزمان، عبارة عن سيناريو مستقبلي وارد في نظر شريحة محدودة من المتخصصين. لكنه اليوم أصبح سيناريو محتملًا بشدة، في نظر شرائح كبيرة من المتخصصين والساسة حول العالم.

كيف يمكن تلافي هذا السيناريو؟! يرتبط الجواب بالجدل التاريخي حول الأسباب العميقة التي أدت للوصول إلى حقبة “أوروبا الثلاثينات”، حينما انتشر “الجذام” القومي، حسب تعبير ماكرون، لينهش العقلية الأوروبية بشدة، مُنتجًا أنظمة حكم، وصل أكثرها تطرفًا، بالاعتماد على صندوق الاقتراع، إلى سدة الحكم في ألمانيا.

لماذا انتشر التطرف القومي في “أوروبا الثلاثينات”؟ قد تكون أكثر الأجوبة سطحية، تلك التي تربط الأمر بالأزمة الاقتصادية العالمية عام 1929. فلماذا أدت تلك الأزمة إلى انتشار حاد للتطرف القومي في مناطق من أوروبا، بينما لم تؤدِ إلى ذات النتيجة في الولايات المتحدة الأميركية، التي عانت بشدة من تلك الأزمة، حينذاك؟ ولماذا كان التطرف القومي أشد في مناطق محددة من أوروبا، ألمانيا مثلًا، مقارنةً بدرجات أقل في بلدانٍ أخرى، كفرنسا وبريطانيا؟ الجواب يكمن في تداعيات الحرب العالمية الأولى، التي يقرّ كثير من المؤرخين بأن نتائجها المُذلة للألمان، وضعت حجر الأساس للحرب العالمية الثانية.

لكن، هل القضية تنحصر في الحس الانتقامي الألماني؟ يجيب مؤرخون كثر بـ “نعم”، بصورة غير مباشرة، مذكرين بـ “حس انتقامي” فرنسي سبق الحرب العالمية الأولى، ردًا على الهزيمة المُذلة للفرنسيين أمام الألمان عام 1870. لكن مؤرخين آخرين يقدمون قراءة أكثر شمولية، تركز تحديدًا على حالة التنافس و”اللاثقة” بين قوى دولية عديدة، بعضها راسخ، وبعضها الآخر صاعد، مما أدى إلى أزمات إقليمية كثيرة، تم حلها بطرق ترقيعية على مدى أربعة عقود، سبقت الحرب العالمية الأولى، حتى كان اغتيال ولي العهد النمساوي، حادثًا لم تستطع القوى المختلفة تجاوزه، تحت وطأة خبرات سلبية من الأزمات السابقة.

لم يكن “الجذام” القومي في “أوروبا الثلاثينات” الذي تحدث عنه ماكرون، نتيجة فقط لأزمة اقتصادية، بقدر ما كان نتيجة لسلسلة طويلة من المسببات، التي أدت فعليًا إلى حربين عالميتين اثنتين، لا واحدة. فالأزمات التي مهدت للحرب العالمية الأولى تكررت بشكل مختلف، ما بين الحربين. فهناك قوى دولية راسخة تريد الحفاظ على هيمنتها وصدارتها، في مواجهة قوى دولية صاعدة. والصراع بين الطرفين ولّد أزمات، كانت الحلول لها ترقيعية؛ ما ولّد أزمات أخرى، انتهاءً بالحرب.

هل هناك أي عنصر في تلك الوصفة التي مهدت للحربين العالميتين، غير موجود في عالمنا اليوم؟! روسيا والصين الصاعدتين، والولايات المتحدة الأميركية التي تقاوم، وفقدان الثقة بين مختلف اللاعبين، واختلال معادلات الشراكة والتحالفات، وأزمات إقليمية عديدة، يتم استغلالها لتفعيل عملية التنافس والصراع لتصبح أكثر سخونة، أو يتم تبريدها بحلول ترقيعية، تمهد لأزمات أخرى، في مستقبل قريب. إنها وصفة لحرب عالمية. قد لا تكون على غرار الحربين العالميتين الأولى والثانية، لكنها محتملة بشدة. بعض المتخصصين يتوقعونها حربًا تجارية مدمرة، قد تؤدي إلى انهيار دول. وبعضهم يتحدث عن حرب عالمية سيبرانية، بدأت مقدماتها منذ سنوات. فيما يعتقد فريق ثالث من المراقبين أن الحرب العالمية بصيغتها التقليدية، بكل كارثيتها، واردة أيضًا، حتى مع امتلاك قوى عديدة للسلاح النووي، وخطورة هذا العنصر.

بالعودة إلى الحديث عن حالة “الجذام” القومي في أوروبا، أصاب ماكرون حينما أشار إلى قوى خارجية تسعى لتفكيك أوروبا. وللتذكير، فصعود اليمين المتطرف الأوروبي، في السنوات الأخيرة، يرتبط بموجة اللاجئين الذين صدرتهم أزمات سورية والعراق. وأخرى أقل حدة، تصدرهم حالة الانفلات في ليبيا. يعي الأوروبيون ذلك، الأمر الذي ظهر في إصرار ألمانيا وفرنسا على دعم اتفاق سوتشي التركي – الروسي بخصوص إدلب، في الحالة السورية. لكن، يبدو ذلك حلًا ترقيعيًا على غرار الاتفاقات التي عقدها الألمان والفرنسيون والبريطانيون بخصوص أزمات في المغرب والبلقان، قبيل سنوات من الحرب العالمية الأولى. هي مجرد اتفاقات تُرحل حالة الصراع، وتحاول قوننته. لكن في لحظة ما قد تفلت الأمور من زمام السيطرة، وتنفجر التناقضات بين اللاعبين الإقليميين والدوليين، وينزلق الجميع إلى صراع غير مضبوط.

منذ أسبوعين فقط، تحدثت البحرية الأميركية عن تحرشات خطيرة من جانب البحرية الصينية في بحر الصين الجنوبي. في تلك البقعة، تظهر حالة صراع يتم ترحيل حلها. ويتفاقم التوتر. وكحالة أزمات أوكرانيا وسورية، يبدو أن الصراع على جزر بحر الصين الجنوبي عنوان لمكاسرة بين قوى دولية، يحاول كل منها تسجيل النقاط على الأخرى.

وفيما يتحدث متخصصون في العلاقات الدولية، بلغة تفاؤلية، عن حالة الاعتماد الاقتصادي المتبادل، بين قوى العالم، التي ستضطر الجميع إلى إيجاد حلول سلمية لصراعاتهم، يتحدث فريق آخر من المتخصصين عن أزمة النيّات، التي ستدفع كل طرف نحو مزيد من سباق التسلح والاستعداد لصراع نوعي مع الطرف الآخر. وهي وصفة مثالية للانزلاق نحو حرب غير مدروسة العواقب. ولتجنبها، يجب حلحلة الأزمات الإقليمية، بحلول نهائية، لا ترقيعية. وإلا؛ فإن تلك الأزمات ستبقى مصادر للتوتر والتهديد الخارجي، الذي يؤجج “الجذام” القومي لدى شعوب القوى المتصارعة.

من بين الأزمات الإقليمية التي يتم ترحيل حلها، تظهر الأزمة السورية، التي كانت سببًا مباشرًا لتنامي التطرف القومي في أوروبا. والتي ما تزال مرشحة لأن تكون مسببًا لمزيد من هذا التطرف في قارة تقارع بصعوبة عوامل التهديد الخارجي التي تستهدفها. وفيما يتعامل الروس والصينيون والأميركيون، بأريحية أكبر، انطلاقًا من ثقة مُفرطة بقدرات بلدانهم، يبدو أنهم يضغطون أكثر باتجاه انتشار مزيد من التطرف القومي في أوروبا، ومنها إلى بلدانهم ذاتها. فعولمة الاتصالات والإعلام الاجتماعي حول العالم، لن تحصر ظواهر سياسية – اجتماعية، في بقعة بعينها. وهو ما يعزز الوصفة التي مهدت للحربين العالميتين.

مقارنةً بأزمات مؤجلة، أو يجري ترقيعها، كما في اليمن وأوكرانيا وبحر الصين الجنوبي، تبدو الأزمة في سورية أكثرها تهديدًا للأمن العالمي. فـ (داعش) تقاوم بشدة عملية إسدال الستار عليها. وفي جنوب البلاد، تدفع ضغوط النظام وممارساته الانتقامية إلى نشاطات تذكر ببدايات الثورة عام 2011. أما في شمال غرب البلاد، ما تزال إدلب على صفيح ساخن. فيما تذهب التوترات الأميركية – التركية بسبب الخلاف الكردي، قدمًا. إن أزمات سورية اليوم أشبه بأزمات المغرب أو البلقان قبيل الحرب العالمية الأولى. تنزلق فيها كل القوى الإقليمية والدولية الفاعلة، وتتصارع. وعلى الرغم من محاولات ضبط وقوننة هذا الصراع، فإن انفلات زمام الأمور عن السيطرة، وارد بشدة. خاصة إن صدّرت البلاد موجة جديدة من اللاجئين إلى أوروبا، انطلاقًا من إدلب، ففي هذه الحالة، لا يمكن أن نستبعد صعود “هتلر جديد” إلى سدة الحكم، في إحدى دول الغرب الأوروبي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close