اقتصادسلايدر

العقوبات الاقتصادية على إيران.. مُحددات التفعيل لكسر الهلال الشيعي

منذ ما يقارب أربعة عقود، إيران تتعايش مع سلاح فرض العقوبات الأميركية الأوروبية عليها، مستخدمةً سياسية الانكفاء الداخلي المؤقت، لإعادة بناء هيكلية داخلية تنطلق منها في سياساتها التوسعية في دول الجوار، بما بات يعُرف بـ “تصدير الثورة الإيرانية”، كسلاح عقائدي يعود عليها بمكاسب سياسية سلطوية على زعامة المنطقة.

مع تصاعد مسار فرض العقوبات الاقتصادية على إيران، التي فرضها مؤخرًا الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، وشملت قطاعات اقتصادية وصناعية ومالية، على رأسها قطاع النفط الذي يعدّ مصدر الاقتصاد الرئيس للبلاد، إضافة إلى إدراج أكثر من 700 فرد وكيان ومؤسسة وشركات ومصارف وبنوك على قائمة العقوبات؛ بات السؤال محض اهتمام عالمي عن مدى اختلاف هذه العقوبات عن سابقتها، وعن جدوى تأثيرها في الاقتصاد الإيراني، لا سيّما أنها جاءت في سياق تفجير الوضع الداخلي الإيراني، وسط احتقان جماهيري واسع رفع لافتات حمّلت السلطات الحاكمة مسؤولية العجز الحالي، في مجالات التعليم والصحة وفرص العمل وارتفاع ظاهرة البطالة وانهيار قيمة الريال الإيراني لأعلى مستوياته، حيث فقد أكثر من 70 بالمئة من قيمته أمام الدولار الأميركي.

بالمقابل، بعيدًا عن جانب تتبع أثر العقوبات على الاقتصاد المحلي، ما يهمنا في هذه الورقة هو إمكانية تفعيل هذه العقوبات لإحداث تغيير في السلوك الإيراني، تلبية لرغبة ترامب في كسر الهلال الشيعي، لا سيّما أن إيران احتلت بشكل علني العواصم الأربعة برعاية غربية (بغداد، صنعاء، بيروت، دمشق) ولعّل الصورة واضحة لمن يتتبع نهج ولاية الفقيه، ومحاولته الأخيرة مد خط بري يربط العراق بطهران عبر سورية، بخط سكك حديدي عبر ميناء اللاذقية، بتكلفة وصلت إلى 2200 مليار ريال إيراني، كهدية مقدمة من صناع القرار في طهران، فضلًا عن محاولات إيران بسط السيطرة على مفاصل مؤسسات النظام، في مجالات الاقتصاد والصناعة والتعليم، والأخيرة تعدّ خطرًا وجوديًا على سورية، لأنها تقود إلى بلورة كيانات سورية تتبع للمذهب الشيعي تستهدف بشكل مباشر كامل النسيج السوري، من خلال استغلال حالة الفقر وظهور ظواهر العمالة والبطالة، والاستثمارات في تفعيل أفرع للجامعات الإيرانية آخرها “تربية مدرس” في دمشق، وكذلك تعمل إيران على إحداث تغير ديموغرافي يستهدف أجيالًا لاحقة سورية، واتخذت من دير الزور ومدينتي البوكمال والميادين الحدوديتين مع العراق، أهدافًا لتوطين السكان الشيعة ليكونوا تبعًا بالعقيدة المحرفة لإيران، على حساب إقصاء المكون العربي السني، ولا يغيب ما ظهر مؤخرًا من وثائق للمخابرات العامة عن تجنيس النظام السوري لآلاف المرتزقة الشيعة في أرياف دمشق وحلب ودير الزور بعد مطالبة إيران نظام الأسد منحهم أرقامًا وطنية وقيودًا في دوائر النفوس؛ ما يرشح تغلغل النظام الإيراني في العقل الجمعي السوري، بغية طمس الهوية السورية.

ثمّة منحًى آخر تقوم به إيران، مفاده أنها تسعى لتكريس وجودها العسكري بشكل لا يضر بالمصالح الإسرائيلية الأميركية، فصحيح أن “إسرائيل” استهدفت أكثر من 200 موقع لإيران داخل سورية، لكن ذلك يدخل في سياق التأكيد على ضرورة احترام أمن “إسرائيل”، وحدث على إثر ذلك محاولة احتواء لإيران بتدخل روسيا التي لعبت دورًا بارزًا في انسحاب إيران من الجنوب السوري على الحدود مع سورية بمسافة 80 كم، غير ذلك فإن “إسرائيل” راضية بشكل أو بآخر عن النهج الإيراني الذي وفر على “إسرائيل” القيام بمهام تهميش الإسلام السني، وتفكيك سورية مؤسسات وجيشًا، وتشريد شعبها، أي أن سورية بالوقت الحالي فقدت مقوماتها الوجودية، في عوامل قيام الدولة القائمة على مبادئ الأرض والجغرافية والسكان.

قد لا يسعفنا هنا التفصيل عن أذرع إيران في بقية المنطقة، كالعراق الذي كان منطلق توسعها خارجيًا ما بعد سقوط صدام حسين في 2003، حيث استطاعت مزاحمة الولايات المتحدة في ساحة العراق، واستغلت انسحابها في 2011، لتصبح الساحة فارغة وجاهزة للتعبئة الإيرانية، وقد نجحت في 2006 في إيصال أحزاب موالية لها، كحزب الدعوة العراقي وشخصيات ورموز دينية تضمن ولاءها إلى جانب هيكلة بغداد والنجف وكربلاء، ومصادرة القرار السني في المدن الكبرى كالموصل، وخنق الأحواز العراقية، قادها ذلك في نهاية المطاف إلى جعل العراق سوقًا سوداء لتصدير منتجاتها المحلية في مجالات الصناعة والزراعة والسلع والكهرباء، مقابل سحب النفط الخام الذي بلغت عائداته إليها أكثر من 500 مليار سنويًا.

وفي الزمن القريب، في فترة ما بعد 2014، فرضت إيران نفوذها في اليمن، من خلال دعمها الحوثيين، لتخلق حالة توتر وعداء مع السعودية ودول الخليج العربي، إضافة إلى مد أذرعها إلى جنوب أفريقيا ونيجيريا والصومال.

إزاء هذه المعطيات، فإن أهم تساؤل يفرض نفسه عن كيفية تأثير عقوبات ترامب على نفوذ إيران في المنطقة، وهل صحيح أن تغيّر النهج الإيراني يدخل في اهتمامات ترامب، وهو المعروف بأنه رجل الصفقات، أم أن جُل اهتمامه، من استراتيجية خنق إيران اقتصاديًا، استجرارُ مكاسب اقتصادية في ما يتعلق بتخفيض أسعار النفط، وصولًا إلى تحقيق إنجاز من شأنه أن يُدخل ترامب التاريخ من أوسع أبوابه، إذا استطاع استجلاب إيران مجددًا لطاولة المفاوضات، للوصول إلى اتفاق جديد بملفي النووي والصواريخ البالستية.

حقيقة لا يمكن إغفال النهج الأميركي الجديدة الذي يُشدد على تحجيم إيران في المنطقة، ويبدو أن الإدارة الأميركية لا تمتلك استراتيجية متكاملة محكمة لضرب نفوذ إيران، بل تعتمد على خلاف تجربتها في العراق، خوفًا من فقدانها السيطرة على استراتيجية بعيدة المدى تتوسطها أهداف قريبة وبعيدة تجاه إيران.

لا يمكن نفي عدم تأثير العقوبات الأخيرة على إيران، على الرغم من اتخاذ الأخيرة إجراءات وأساليب البدائل مع دول الجوار ومع الاتحاد الأوروبي في إيجاد أنظمة تستطيع تجنب نظام العقوبات المفروض، إضافة إلى الاستفادة من العامل الزمني في الأشهر الستة مع الدول الثمانية التي مُنحت استثناء لمواصلة استيراد نفطها من إيران، لكن كل هذه الإجراءات لا تنفع إيران على المدى المتوسط والبعيد.

فبعد قضاء فترة الاستثناء؛ ستبدأ آثار العقوبات الاقتصادية تطفو على السطح، بدءًا من الداخل الإيراني وصولًا إلى مناطق نفوذها في الإقليم، وتراهن إدارة ترامب على تأثير تلك العقوبات في السلوك الإيراني بمنحيين: الأول ارتفاع حدة الغضب والاحتقان الداخلي وفقدان إيران عوامل الضبط والسيطرة على الداخل، ما يُرشح احتمالية عودة التظاهرات بدرجات أعلى هذه المرة تُفضي إلى ضرب أركان النظام السياسي في طهران، وعليه فإن إيران إذا ما استشعرت عدم قدرتها في ضبط الداخل؛ فقد تُقدّم تنازلات لترامب وتعود إلى طاولة المفاوضات.

المنحى الثاني أن تقود العقوبات إلى عزل إيران عن محيطها الإقليمي، من خلال تشديد واشنطن لنظام العقوبات، وفرض أخرى جديدة على كل من الدول العربية والغربية التي قد تتعامل مع إيران، بطريقة تعني الالتفاف على العقوبات، ومن شـأن هذا الاحتمال -إذا ما كانت أميركا جادة في تحجيم نفوذ إيران- أن يقلص موارد تمويل الحرس الثوري الإيراني الذي يستحوذ على ثلث الاقتصاد الإيراني، ومن المعروف أن معظم صادرات النفط تذهب لتمويل الميليشيات الإيرانية، في حين تخصص الثروات الباطنية كمخصصات للحرس الثوري الإيراني.

وعلى ذلك؛ فإن إيران، مهما سعت للتحايل على نظام العقوبات، ستتسبب بشكل مباشر في إحداث مجاعة للشعب الإيراني، وبات معروفًا أن المتضرر الأكبر من سلاح العقوبات هو الشعوب، ولعل العراق خير مثال، حيث أدى نظام العقوبات الذي فرضته الولايات المتحدة عقب حربها على العراق، إلى موت 1.7 مليون مدني بينهم 600 ألف طفل تقريبًا، وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة، ولم تُرفع العقوبات على العراق حينذاك إلا في 2010، فهل ستستفيد إيران من عوامل المتغيرات الجديدة التي طرأت على منطقة الشرق الأوسط أم أنها ستُعيد تكرار سياسات تعايشها مع العقوبات؟!

فيما يبدو الرهان الأكبر على مقولة “تغيير السلوك” ليس على إيران وحدها، بل على واشنطن ذاتها، فالفرق هنا كبير بين التأثير والتغيير، أمام فرض العقوبات على أنظمة دكتاتورية، وإذا لم ترافق تلك العقوباتِ استراتيجيةٌ ثابتةٌ للتأثير وضبطٌ للأطراف الملتزمة بها؛ فلن يقود ضرب الاقتصاد إلى التأثير في النهج السياسي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق