تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

شعارات الثورة أقوى من “كواتم الصوت”

كانت اليافطات التي رفعها السوريون، في مختلف مناطق الثورة في كفة، وشعارات (كفرنبل) في كفّة أخرى. لم تُرعب أو تهزّ عرشَ النظام كلُّ الرصاصات والقذائف التي استُخدمت في “الرد” على النظام، ولا جيش الاستعراض العسكري، وإنما ما أرعبه وهزّ عرشه هو بضعُ شعارات تعبّر عن رفض وجود نظام مجرم، وتكشف مدى تخاذل العالم كله عن السوريين، وتنشر الحقائق الفاضحة، التي أرَت النظامَ صورتَه معلقةً، مع كل حرف يُكتب هناك، على عود مشنقته.

أصبحت كفرنبل وشعاراتها علامة بارزة من علامات الثورة السورية، ومحطة أساسية من محطات بلورة وتكوين هوية الثورة، بطابعها الثوري السلمي المرعبة للنظام ولأعداء الثورة، لقد نجحت شعارات المدينة الإدلبية، بفضل عفويتها وصدقها ودقة توجيهها، في تجاوز كل الاختبارات، حتى وقع خبر اغتيال مَن يقف خلف هذه الشعارات: رائد الفارس والمصور حمود جنيد. الاغتيال ينقل ما تبقى من الثورة إلى مرحلة جديدة مختلفة عما سبقها، خصوصًا في إدلب والمناطق المحيطة بها، حيث ما يزال العقل السوري الثائر يشعر بحرية الحركة والتعبير والتخطيط للمستقبل.

وأصبح للنظام رؤية وتصور وسلوك لهذه المنطقة، التي ما زال الشعار والكلمة فيهما ليسا بحاجة إلى تأكيد عدم آنية رفعهما والصدح بهما، بل هما نتيجة تراكم فعل نضالي سوري، عبر كل مراحل النضال، وبمشاركة مدن وقرى كانت مثل كلّ سورية مطموسة بدمغة الأسد الأب والابن وبعثه وأمنه وشعاراته، حتى جاء من أسقط كل رغائه، ومن أين؟ من إدلب شمالًا إلى درعا جنوبًا، ومن مناطق سورية كلها التي كان يمارس عليها فعل الاستعلاء الاجتماعي والاقتصادي والأمني.

وحقيقة الأمر أن النظام أدرك، منذ البداية، مدى عمق واتساع شعبية هذه الشعارات التي تعني شعبية الثورة وسلميتها ووجهها الحقيقي الذي حاول كثرٌ أن يُلبسوه أقنعة تنكرية، من الإرهاب إلى الأسلمة والتطرف إلى عباءة الولاءات. كانت الشعارات تختزل مقاومة ونضال السوريين.

انطلاقًا من هذا التصور، ثبتَ استحالة تعايش النظام مع كثيرٍ من المناطق، كان فيها السلوك الحضري أو الريفي تعبيرًا عن تحرك سلمي يرمز إلى فعل الثورة بالكلمة، أو السلوك المدني لمجتمع الثورة الموازي على أكثر من صعيد وجانب إنساني وسياسي، واقتصادي، تعليمي وصحي وغيره، ليتم تدميره بعد القضاء على رموزه، وإبقاء سلوك يخدم أجندته لإعادة السيطرة، وهو ما تم في العديد من المناطق التي عبّر فيها السوريون عن فعلهم الثوري السلمي، حتى في صفوف الثورة أو المتنكرين بشعاراتها أو سلاحها، ويحملون فتيلًا يحترق يومًا بعد يوم، ويبسط للنظام السيطرة في مناطق عدة لإعلان هزيمة السوريين، وذاك شأن آخر لن يحلم به، على طريقة اغتيال وتصفية الشعب السوري.

لخصت شعارات (كفرنبل) و(بنّش) طبيعة الثورة والسوريين، وعرّت معها كل شيء، وأثبتت أن معركة النظام ليست مع الإرهاب، إنما معركة السوريين مع وجوده وإرهابه، وخلص النظام إلى مثل هذه الحقائق منذ بدايات الثورة، على أنه يواجه ظاهرة من النشاط الواسع، أو شبكة واسعة من الناشطين تعمل على هز أركانه بصور ويافطات حملها السوريون، في مختلف نشاطاتهم المعبرة عن رفضهم ومعارضتهم لنظام مجرم، فلم يعد الاعتقال والتغييب كافيًا لسحق المعارضين، بعد اتساع الرقعة وانطلاق الثورة، فكان ابتكار النظام للمتنكرين في الثورة من الدواعش إلى تعدد الرايات والاختراقات الأمنية التي كان من نتائجها خسارات قاسية ومؤلمة.

مهما يكن من أمر، فإن وضع النظام لن تصححه عمليات اغتيال الثورة وشعاراتها وناشطيها، فبعدما كرس النظام همجيته، ووحشيته فوق الجغرافيا السورية لتثبيت سيطرته ووظيفته، لم تعد هذه المحاولات إلا تأجيلًا لانهياره. صحيح أن مستوى سيطرته اتسع جغرافيًا، لكن قوائمه مهترئة، وترعبه كلمات السوريين عن الحرية والكرامة والمواطنة، والرعب أمرٌ طبيعي نتيجة للطريقة التي عبر فيها السوريون عن أنفسهم بوجه الطاغية، ولا يعقل أن تبقى مستويات إعادة سيطرة النظام ثابته، من دون ارتكاب مزيد من عمليات الاغتيال والقتل، وتنفيذ العديد من الجرائم في مناطق ما زالت كلمة الحرية فيها عالية، ويصعب كتمها حتى مع كواتم الصوت!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق