تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

إشكالات اللجنة الدستورية

آخر ما أطلقه المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا، قبل أن يترك منصبه في نهاية عام 2018، هو طرحه قضية تشكيل اللجنة الدستورية، التي تُشير كل المعطيات إلى تسبب النظام السوري في تأخير إنجاز هذه الصفحة من ملف الحل السياسي السوري، على الرغم من إصرار الأمم المتحدة على تشكيل تلك اللجنة، وفق متطلبات الإرادة الدولية، وليس كما يشاء الروس ونظام الأسد.

ما يهم النظام السوري، أولًا وآخرًا، هو البقاء في السلطة دون أي اعتبار لمستقبل سورية وشعبها، وخوفًا من أن يكون حلّ مشكلة اللجنة الدستورية مقدّمةً لإزاحة الأسد عن كرسيه وسلطته؛ يقوم النظام -مستخدمًا بنيته الأمنية- بوضع العصي في عجلة قرارات الأمم المتحدة، وعرقلة أي حل سياسي مطروح.

لكن، هل ستظل الإرادة الدولية عاجزة عن مواجهة مناورات الأسد، وعن وضع حد لقتل السوريين المستمر منذ سنين، وإنهاء مأساتهم؟ أم أنها ستفرض تصوّرها للحلّ السياسي على النظام الذي سبّب كلّ هذه المآسي والفظائع للشعب السوري الذي تعرّض للقتل والقمع والتدمير والتهجير، لأنه خرج يطالب بحقوقه في الحرية والكرامة.

يعرف المتابعون -وكذلك المجتمع الدولي- أن هذا السلوك الإجرامي، لنظامٍ مارس كل أنواع القمع ضد شعبه، يمثّل صفات متلازمة لسلطة آل الأسد، مارسها طوال نصف قرن من حكمه.

تصاعَد خطاب النظام ولغته الهجومية، في مواجهة المبعوث الدولي دي ميستورا، وأعلن اعتراضه على القائمة الثالثة (قائمة منظمات المجتمع المدني والخبراء الدوليين) أو ما يسمى “قائمة الأمم المتحدة”، زاعمًا أنها تمسّ “سيادته وهيبته”، وفق ما جاء على لسان وزير خارجيته وليد المعلم، بعد لقائه الأخير بدي ميستورا في دمشق. والحقيقة أن الأمر يتعدى مسألة انتهاك السيادة (التي أمست تحت أقدام المحتلين منذ استنجاد الأسد بميليشيات طهران وروسيا) إلى الخلاف الجوهري، وهو تبعات تشكيل اللجنة الدستورية التي ستشكل هيئة حكم انتقالي تقرّ مشروع الدستور الجديد، وما بعد ذلك من استحقاقات.

يعتقد النظام، كما أوحى له الروس، أن محور عمل اللجنة بعد تشكيلها سيتم ببعض التعديلات الطفيفة على ما يسمّى دستور 2012 الحالي. ولذلك يتمسك النظام بدستوره، الذي يعدّه “مصدر الشرعية”، وبالتالي فإن من يمنح “المشروعية” للّجنة هو النظام، وليس الأمم المتحدة ولا أميركا أو الأتراك.

في مواجهة ذلك؛ على المعارضة السورية التمسك بالحل الأممي واستقلالية قرار اللجنة، لأن الرأي المرجِّح في عمل اللجنة سيكون للخبراء الدوليين.

من جانب آخر، يرى بعض المحللين والخبراء المتوافقين مع وجهة النظر هذه، أن الحل السياسي يبدأ من بوابة اللجنة الدستورية، وسيكون لعملها نتائج عدة، منها دستور مؤقت انتقالي أو إعلان مبادئ دستورية تكون رافعة لمخرجات مستقبلية، وعند ذلك يمكن رسم خريطة حلول، منها تحديد شكل نظام الحكم (برلماني – رئاسي)، فصل السلطات الثلاث، وصلاحيات رئاسة الجمهورية ومدة الرئاسة. وهذا ما ترغب فيه الأمم المتحدة التي ترى أن لا حلّ سياسيًا إلا عبر تلك اللجنة بإشراف الأمم المتحدة، وهذا ما يراه أيضًا المجتمع الدولي الذي أقصى الحل العسكري لمصلحة الحل السياسي.

على الرغم من كل ذلك، نعتقد أن النظام يماطل ويعمل على عرقلة عمل اللجنة، محاولًا إيهام الآخرين بأنه “سيّد الموقف”، من خلال المطمطة والتملّص، كعادته.

من جانب آخر، حذّر دي ميستورا بأن الأمم المتحدة قد تتخلى عن دورها في تشكيل اللجنة الدستورية؛ إذا لم يتم التوصل لاتفاق قبل نهاية عام 2018. ودعم ذلك تصريحُ جيمس جيفري المبعوث الأميركي إلى سورية: “إننا مؤمنون بأن إطلاق عمل اللجنة الدستورية سيكون قبل نهاية عام 2018”.

وأشار جيفري إلى أن “دي ميستورا يستطيع اتخاذ القرارات النهائية التي يريدها بشأن المدرَجين في قائمته الثالثة، الذين لا ينتمون لا للمعارضة ولا للنظام”، وأضاف: “نستطيع أن نحرز تقدمًا وتنشيطًا للمسار السياسي في اللجنة الدستورية”.

ووفقًا لوكالة الأنباء الفرنسية، قال دي ميستورا موجهًا كلامه إلى الدولة الضامنة روسيا تحديدًا، في مداخلة (عبر الفيديو) من جنيف في اجتماع لمجلس الأمن في نيويورك: “نحن في الأيام الأخيرة، من المحاولات الرامية إلى تشكيل اللجنة الدستورية، وما زالت الأمم المتحدة تأمل أن تتمكن من إرسال الدعوات إلى أعضاء اللجنة الدستورية، بحلول منتصف كانون الأول 2018، على أن تعقد اللجنة أول أعمالها في نهاية العام الحالي، ولا شرعية لهذه اللجنة؛ ما لم تكن شفافة وحيادية وفقًا لمعايير القرار 2254 وبيان سوتشي”.

وبناءً على ذلك، على المعارضة وأعضاء لجنة التفاوض التمسكُ بالقرارات الأممية 2118 و2254، والقيام بإجراءات قانونية مسلحة بالقرارات الدولية ومدعومة بتأييد أصدقاء الشعب السوري، للوصول إلى تشكيل هيئة حكم انتقالي، والدخول في مرحلة العدالة الانتقالية، مع الأخذ بالحسبان أن هذه المعركة لن تكون قصيرة وسهلة، ولكنها ستؤتي ثمارها لاحقًا.

يحاول النظام رفض كل مقترح يؤدي إلى انتقال سياسي، لكونه لا يملك حلولًا تنجيه، وهو لا يقبل بأي حلّ لا يضمن له البقاء في السلطة؛ حيث إنه يعرقل تشكيل القائمة الأخيرة من القوائم الثلاث: (الأولى 50 عضوًا يختارهم النظام، والثانية 50 تختارهم المعارضة، والثالثة 50 تختارهم الأمم المتحدة، من خبراء دوليين وممثلي المجتمع المدني).

ويجتهد نظام الأسد في أن تكون له حصة إضافية، من القائمة الثالثة التي تضم ممثلي الأمم المتحدة، ويطلب أن يتم تعيين رئيس اللجنة من قِبله، والهدف من ذلك هو توجيه اللجنة الدستورية إلى تعديل الدستور الحالي 2012، بإجراء تعديلات طفيفة، وليس تغييره، في حين ترفض أميركا وتركيا والمعارضة ذلك الطرح، وتصر على أن تتحقق الغاية من تشكيل اللجنة وهي صياغة دستور جديد لسورية. وهذا يعني أن هناك اتجاهين متعارضين:

الأول: رؤية واشنطن، حيث حض دي ميستورا على الإسراع في دعوة اللجنة إلى الانعقاد، وقد أكد وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو أن هذا الأمر ينبغي أن يتم من دون انتظار موافقة دمشق على أعضاء اللجنة، وهذا ما تراه تركيا أيضًا.

والثاني: رؤية موسكو، وهو يعبّر عن موقف دمشق، بضرورة تجنب فرض مواعيد وبرنامج زمني، وفقًا لمبدأ (التريّث) وكانت دمشق قد رفضت أي دور للمبعوث الدولي في تشكيل اللجنة الدستورية، لكونها ترى أن دوره هو تيسير المشاورات التي تجري بين الدول الضامنة، وليس توجيهها أو تحديد مسارها.

إضافة إلى الإشكالية السابقة، ثمة إشكالية أخرى تكمن في بنية النظام الاستبدادية وتركيبته الأمنية، ولفهم آلية عمل النظام وبنيته وأساليبه، يمكن الاستدلال بما ورد في مقدمة كتاب (سورية الجنرال أسد) الذي كتبه دانيال لوكا، وترجمَه فايز بيطار، من “أن حافظ الأسد أسس دكتاتورية غير مسبوقة، عمادها القوة الأمنية الطائفية”، أو كما سماها عماد غليون “الأوليغارشية الأسدية”، حيث يتضح كيف بُنيت هذه المملكة الأمنية العميقة، وكيف فككت المجتمع السوري إلى طوائف وإثنيات، وعملت على إحياء مفاهيم الدولة ما دون الوطنية.

وبالنظر إلى معطيات الواقع، على المعارضة السورية أن تبني قرار تشكيل اللجنة الدستورية، بما يتناسب مع متطلعات الشعب السوري التي تدعمها قرارات الأمم المتحدة، ومواجهة مساعي النظام الذي يعوّل على التناقضات الدولية وعلى الفيتو الروسي. كما أن على المجتمع الدولي من جانبه أن يتخذ مواقف واضحة وقرارات مسؤولة، تجاه القضية السورية، كما فعل يوم فرض الحلّ في كوسوفو، وأوقف سلسلة المجازر هناك، حيث تدخلت الأمم المتحدة مباشرة عبر مجلس الأمن، بوصفه حاميًا للأمن والسلم الدوليين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق