أدب وفنون

“عين الشاعر” وتداخل دوائر الهمّ الشعري

لقاء مع الشاعر يوسف حسين الحمود

ربما يجوز أن نصف معرض الشارقة للكتاب بأنه طوفان للمعرفة، حيث زاد عدد العناوين المشاركة عن مليون ونصف من العناوين في اللغة العربية بالدرجة الأولى، والإنكليزية والفرنسية والهندية واليابانية في الدرجة الثانية، وقد حلّت اليابان ضيف شرف على المعرض، هذا العام، وشارك فيه العديد من دور النشر السورية، سواء القادمة من الداخل أو تلك التي تم تأسيسها في الأعوام الأخيرة في دول الشتات واللجوء، كما شارك العشرات من الكتّاب والأدباء السوريين منهم أحمد نسيم برقاوي بكتابه الجديد (شذرات اللقيط)، وعبد العليم إسماعيل في رواية عن مدينة الرقة، والشاعر يوسف حسين الحمود في مجموعته الشعرية الجديدة (عين الشعر)، وانتهزت (جيرون) الفرصة لإجراء هذا اللقاء معه:

– ما الجديد في مجموعتك الشعرية الجديدة “عين الشعر”؟

= مجموعة (عين الشعر) هي الثانية لي، وقد صدرت عن دار الرابطة في الشارقة، وآمل أن لا تكون الأخيرة؛ إذ ليس هناك ما يدفع إلى نشر الشعر، على الرغم من وجود ما يدفع إلى كتابته.

تتنوع قصائد المجموعة الجديدة بين الذاتي والعام، ويتداخل في قصائد أخرى فيها الذاتي بالعام، والشخصي بالوطني.

لقد تداخلت دوائر الهمّ الشعري منذ عقود عديدة، فلم يعد من الممكن تصنيف القصائد حسب التصانيف البائدة التي كانت سائدة فيما مضى لقرون، وكانت تأتي تحت عناوين مثل الأغراض الشعرية وسواها. على ذلك، نكتب كثيرًا هذه الأيام عن الحب، فتنزلق المفردات إلى المأساة السورية عفوًا، وكيف يمكنك أن تتجنب خوض غمار هذه الكارثة، ولو جهدت أن تبدو ساخرًا، أو لا مباليًا، وحدث كونيّ بهذا الحجم، لا بد أن يتسرب إلى أفكارك وتصوراتك وكلماتك، ولا بد أن تنزلق على حافته، ولو سعيت لتجنبه، فما بالك وأنت تتحراه وتتلمسه.

من الناحية الفنية، وبعيدًا عن الموضوع، وإن كنت لست من محبذي هذه الطريقة في الفصل بين الفحوى والمحتوى، لنقل إن المجموعة الجديدة تواصل ما بدأته مجموعتي الأولى (ترجمان الصمت)، في تلمس حدود الشعر في الشخصي وفي الوطني.

لقد سبق لكثير من الشعراء الانزواء الفني، بمعنى أنه أخذ ركنًا من أركان الشعر الذي يرتاح فيه، وراح يكتب عن همه بعيدًا عن مشاغل أخرى قد تجتذب القارئ إلى نصه، معربًا عن لا مبالاته بهذه القراءة وهذا القارئ.

– يأخذنا كلامك هذا إلى سؤال القراءة وأهمية القارئ للشاعر، ودوره في عملية إنتاج النص، إن كان له من دور على ما يرى كثير من نقاد الشعر الحديث؟

= ظلّ النقد الأدبي التقليدي يُغفل القارئ ودور القارئ في منح النص المعنى الذي يُعزى إلى هذا النص، وهذا ينطبق على الشعر كما ينطبق على أنواع أدبية أخرى.

دور القارئ مسألة أدبية مهمة. فالمفهوم التقليدي عن القارئ السلبي لم يعد صالحًا منذ وقت طويل، في تناول النص الأدبي بعامة والشعري بخاصة. والاكتفاء بالنظر إلى القارئ بصفته متلقي معلومات لا يد له في كيفية هذا التلقي، هو أمرٌ يجانبه الصواب. هكذا فإن النقد الأدبي الحديث أحيا هذا الدور، وأسبغ الأهمية الكبيرة على دور القارئ في دورة حياة النص.

زعم الناقد الحديث أن القارئ يكون على تفاعل دائم وفاعل مع النص أثناء قراءته، وبعضهم جعل له دورًا مماثلًا لدور الكاتب أو الشاعر أو الروائي، فلا يستوي لديهم نص دون قارئ، ويميل كثير من النقاد إلى فكرة أن النص عاطل، مطفأ، راكد، ثابت، مغفل، حتى يأتيه القارئ، فإذا ما ألقى عليه نظرة، بدأ النص ينبعث من رماد، وهكذا ينتشل القارئ النص من غياهب النسيان، من بحيرة الركود الآسنة، ليضعه إزاء شمس قراءته.

مثل هذا القارئ هو ما يبحث عنه الشاعر. قارئ على مستوى إعادة إحياء النص، وانتشاله من تاريخ الغفلة.

هناك ما يسمى في النقد الأدبي الحديث “استجابة القارئ”، وهي نظرية أدبية حديثة تؤكد أهمية دور القارئ في إنشاء معنى العمل الأدبي. وهذه النظرية الأدبية تعتمد فكرة مهمة لا يمكن الجدال معها، فضلًا عن نفيها، في تركيزها على أهمية القارئ؛ إذ تقول لما كانت القراءة تختلف من قارئ إلى قارئ، فلا يمكن للعمل الأدبي أن يكون واحدًا، مكتفيًا بنفسه ومنسوبًا فقط إلى كاتبه، بل لا بد -كما أرى- من نسبة إلى قارئه. أما كيف يمكن الذهاب بهذه الفكرة أبعد من ذلك، فهذا أمر يجب الخوض فيه في مكان آخر.

مجموعة (عين الشعر) تتوسل مثل هذا القارئ القادر على استكناه المُغيّب خلف الكلمات، وتتوجه إلى تلك القدرة المختلفة لدى القراء المختلفين في استنباط المشكل الشعري الذي يجعل من سطر ذي معنى معين بالنسبة إلى قارئ معين، وذي معنى آخر بالنسبة لقارئ سواه.

(عين الشعر) رؤية شعرية جديدة، على الأقل بالنسبة إلي، لما حلّ بنا نحن، السوريين، وما حل بنا عظيم.

– ما الذي يُلهم السطر الأول في قصائد المجموعة؟ هل هو مشاهدات معينة، أم هي أفكار عابرة، أم قصيدة شاعر آخر؟

= لا يمكنك أن تحصي المؤثرات التي قد تجعل الشاعر يكتب سطره الأول. بيد أني أعتقد، كما يعتقد شاعر أميركي كبير، أن السطر الأول يأتي من حديثك إلى نفسك الغائبة عن المشهد الحالي. والسطر الأول يأتي من الانتباه إلى فكرة غامضة تجول في ذهنك، أو من عبارة فالتة من كتاب لم يكتب بعد تبرز فجأة من غابة الذهن. في عين الشعر، أفضل أن أبدأ بعبارة بسيطة قادرة على استجلاب القارئ واهتمامه إلى النص، ولا أدري إن كنت أنجح. ذلك أمر يُسأل عنه القارئ، ثم أذهب أبعد أو أعمق في معالجة الفكرة، حيث يمكن للقارئ متابعة ما بدأناه معًا.

– وكيف راجعت قصائدك في “عين الشعر”، أي ماذا عن التدقيق والتنقيح في الشعر؟

= عندما كتبت قصائد (عين الشعر)، حاولت في معظمها أن أكتب بسرعة، أن أنجز قدر ما أستطيع في أقصر زمن ممكن. قصيدة “ليتها لم تكن… هكذا” تتألف من 40 صفحة تقريبًا في المجموعة، لم تستغرق كتابتها وقتًا طويلًا، لكني عندما عدت إليها حذفت نصفها على ما أذكر، وعدلت في النصف الآخر كثيرًا، كي يخرج كما خرج في (عين الشعر). لكني كتبت الكثير من القصائد على دفعات بلا شك، أو على جلسات كتابة، لكنها لم تظهر في مجموعة (عين الشعر). أرجو أن تظهر في مجموعات أخرى تالية.

بالنسبة إليّ، التنقيح والتعديل والتحرير في القصائد بعد كتابتها أمرٌ يحدث في الأغلب الأعم، إلا قليلًا. أحرص على التعديل كثيرًا، وهذا ليس لتصحيح لغوي أو ما شابه، بل زيادة في تأكيد شعرية النص، أجنح إلى هذا، وأرى أنه لا بد من النظر ثانية وثالثة وربما رابعة وخامسة في القصيدة، قبل أن تضعها بين يدي القارئ. أرى ذلك من واجبي تجاه من يكلف نفسه عناء قراءة الشعر هذه الأيام.

– تأخرتَ في إصدار مجموعات شعرية، وأنت الذي فزت بجوائز عديدة، وشاركت في مسابقات شعرية كبيرة منذ عقود، لماذا لم يكن الإصدار أبكر؟

= صحيح. فزتُ بجائزة (البردة) قبل 12 عامًا، وعدت لأفوز بها بعد عامين فقط. والبردة جائزة كبيرة، لا بد أن تدفعك إلى النظر بجدية إلى ما تصدره من شعر، كذلك، شاركت في عدد من الملتقيات الأدبية في دمشق وسواها، وقُيّض لي -أيضًا- المشاركة في مسابقات ومهرجات شعرية، مثل “أمير الشعراء” وسواها، وهذا حدث قبل وقت طويل، وكانت كلها مشاركات مشرفة شعريًا.

أكتب الشعر منذ أربعين عامًا تمامًا. ولم يصدر لي حتى الآن إلا مجموعتان: (ترجمان الصمت) و(عين الشعر)، وكلتاهما أصدرتهما خلال هاتين السنتين.

إذا تتبعت هذا الأمر، وجدت أن كثيرًا من الشعراء ندموا على تبكيرهم بإصدار مجموعة شعرية، ومنهم من ندم على نشر قصيدة مبكرة في مجلة، وربما تجد من ندم على نشر الأعمال الكاملة، وفي الحالين، الشاعر نادم. إن بكر وإن تأخر، وكثير من الشعراء من جيلي، وربما بعد جيلي، لديهم عشر مجموعات وربما أكثر.

من ناحية أخرى، من الشعراء الكبار أذكر بيلي كولينز، شاعر شعراء أميركا الذي لم يصدر مجموعة شعرية إلا بعد أن تعدى الخامسة والأربعين، ويمكن أن نذكر أمثلة على هذا الطرف أو ذاك، من بكّر ومن تأخر في الإصدار، لكن الأمر لا يعني كثيرًا، ولقد نشرت مجموعتي الشعرية الأولى، عندما وجدت الفرصة لذلك، وهذا ما حدث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق