أدب وفنون

جورج كتن.. رجل قوي في إيهاب طفل وديع

هكذا أجابني المناضل والكاتب جورج كتن، عندما سألته: بماذا يوصي ابنُ الثمانية والسبعين الأجيالَ الشابة؟  قال: “لا أظن أنه آن الأوان لكتابة وصية، فأمامنا زمن طويل حتى يحين أوانها، وإذا كان لا بد من وصية -من وجهة نظري- فهي ألا تفقد الأجيال الطالعة أملها في تحقيق الديمقراطية، ولو طال الزمن”. تلك الإجابة المفعمة بحب الحياة والأمل، ذكرتني بلقائي الأول معه على مائدة إفطار، دعانا إليها رئيس النادي السوري السابق في لوس أنجلوس. بدا لي جورج يومها، بدماثته وصوته الخافت، أشبه بطفل خجول يثير فيك التساؤل: من هو هذا الرجل الذي غزا رأسه الشيب، ومع ذلك يملك بشرة نضرة، وسرعة في الحركة، وابتسامة لم تخبُ خلال جلستنا التي امتدت لثلاث ساعات؟ على طاولة المطعم المجاورة، رصف صديقه الصحفي بهنان يمين، عدة كتب سميكة فوق بعضها، معلنًا أنها نسخ لأعظم كتاب يحكي تاريخ نضال السوريين ضد الاستعمار والحكومات العسكرية المتعاقبة، وحال الأحزاب القومية والماركسية، منذ أربعينيات القرن العشرين حتى الآن، وأن هذه المأثرة من تأليف جورج كتن الذي عاش تفاصيل تلك الأيام والسنوات، وخاض غمار النضال مع المناضلين في سبيل الحرية والديمقراطية، وسجن مرات، وكاد يفقد حياته في كل مرة، لكنه لم يتوقف عن إدمان السياسة، وأضاف: اسم الكتاب إدمان السياسة، ثم منح كلًا منا نسخة.

لم يكن هذا الكتاب الضخم هو الأول لجورج كتن، بل سبقته كتب ومنشورات ودراسات سياسية عديدة، كتبها في صحف عربية ومواقع إلكترونية حول قضايا الديمقراطية والعلمانية وحقوق المرأة والأقليات. ومن الكتب التي أصدرها:

1- كتاب (العلاقات الروسية العربية في القرن العشرين وآفاقها) عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية – أبو ظبي 2000.

2- كتاب (خيارات إيران المعاصرة- تغريب– أسلمة– ديمقراطية) دار علاء الدين للنشر والتوزيع والترجمة – دمشق 2002، بمشاركة الكاتب وليد خالد المبيض.

3- شارك في كتاب (الديمقراطية داخل الأحزاب في البلدان العربية) مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2004، بدراسة نقدية عن “إشكالية الممارسة الديمقراطية في حركة القوميين العرب”. ثم، كتاب (إدمان السياسة) يروي فيه سيرة الانتقال من القومية إلى الماركسية إلى الديمقراطية، عن دار المعارف للمطبوعات – بيروت لبنان أيلول 2013.

جورج شكري كتن كاتب فلسطيني سوري، من مواليد القدس 1940. أقام في دمشق منذ العام 1948. ثم في الولايات المتحدة الأميركية منذ العام 2007. وهو حائز على شهادة بكالوريوس في العلوم الزراعية من جامعة عين شمس– القاهرة.

يحكي جورج في مقدمة كتابه عن سيرته الذاتية، فيقول: “كانت حياتي حافلة بأحداث متلاحقة من نكبة ولجوء وانتقال من بلد لآخر، وسجون ومحاكمات وتطور فكري وثقافي وسياسي. وقد تكون ولادتي في القدس، ثم قضاء السنين الأولى من العمر في دمشق، خمسينيات من القرن الماضي، الحافلة بالأحداث السياسية الكبرى، هي التي حددت معالم طريقي منذ البداية، ومع ذلك، لا يمكنني تجاهل دور الاختيار الحر لتلك الطريق، مع توفر الفرص لخيار مغاير. لحظات الندم كانت قليلة، وعلى الأغلب، كان شعوري بأن الحياة لها مغزى وهدف قد يتغير، لكنه ينطلق دائمًا من قناعتي بأنه الهدف الأفضل لغالبية المجتمع”.

جاءت الأحداث الدراماتيكية بعد انهيار الإمبراطورية السوفييتية، لتثبت لجورج كتن أن النظام الديمقراطي الحر، هو النظام الوحيد الذي يمكّن البشر من ممارسة حياتهم على أفضل وجه، وهو الوسيلة لتحقيق الأهداف الأخرى، لحياة الجميع بلا تمييز. ولذلك انخرط في نشاطات ما سمي حينها في العام 2000 “ربيع دمشق” بشكل مستقل، دون الالتزام بجهة سياسية ما، مدفوعًا بقناعة أن قضية الفلسطيني الرئيسة في سورية، تكمن في العمل داخل إطار المجتمع السوري من أجل ديمقراطية علمانية. وقد عمل على ذلك في كتاباته التي التزمت بالديمقراطية كتوجه رئيس، تناول الأحداث على أساسه بالتحليل والتشخيص لنتائجها، وبروح نقدية لكافة التيارات السياسية في الساحة السورية بخاصة، والعربية بعامة. وعندما سألته عن قيمة الكتابة في السياسة، وما يمكن لها أن تفعل أمام سطوة القوة الغاشمة، والسلطة الدكتاتورية التي ترتكب الفظائع في ظل سكوت المجتمع الدولي عنها؟ أجاب: في الأساس، منذ أيام الشباب وبدءًا من الجامعة، لم أتجه إلى الكتابة؛ بل إلى العمل السياسي النضالي، الذي كنت اعتبره أساسًا في حياتي مع الآخرين المتحمسين لتغيير الأحوال السيئة التي كان يعيشها الوطن. لم أنتقل إلى الكتابة السياسية في منتصف التسعينيات إلا بعد اقتناعي بأن لا تغييرَ قريبًا قادم في الأفق، وأن العمل النضالي غير ذي جدوى في ظل حكم استبدادي، لذلك فإن الكتابة قد تكون تعويضًا عن انسداد آفاق العمل السياسي والنضالي، بالإضافة إلى عامل آخر -فيما بعد- حيث إمكانات النشر بدأت تصبح أوسع، مع انتشار المواقع الإلكترونية السياسية. وقد بدأت بكتابات سياسية لمقالات وبضعة كتب، وانتهيت بكتاب سيرة يجمع، إلى جانب التجربة السياسية الشخصية، تحليلًا لقضايا سياسية وفكرية وأحداثًا مختلفة كانت قد جذبت اهتمامي. لا أظن أن لكتاباتي قيمة أدبية، كالرواية أو القصة أو الشعر، لكن لها قيمة سياسية وتاريخية ومعرفية، لكونها تصدّت لتحليل معظم الأحداث السياسية التي مررت بها، وإعطاء رأي شخصي من خلال تجارب النضال السري والعلني، ومعاناة العيش خلف قضبان السجن مرات عديدة.. قد تفيد قراءتُها الأجيال التي لم تعش تلك الأحداث، وتمكنها من فهم أفضل لما جرى وارتباطه بما يجري حاليًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق