كلمة جيرون

الاغتيال السياسي و”الثلم الأعوج”

في سورية، ما لم يستطع النظام أن يفعله في صفوف المعارضين استبداده، فعلته غربان الشؤم، ومن استطاع النجاة من براثن الأجهزة الأمنية وإجرامها وعسفها، تلقفته مخالبُ أكثر دمويةً ووحشية وقذارة.

بغض النظر عن أن اغتيال المعارضين السياسيين جريمة ذميمة ووحشية ووقحة، فإن الاغتيال السياسي -بمفهومة العام- أمرٌ معروف ومشهود، وتزداد نسبته في الخلافات والأزمات والحروب، حيث تسعى بعض الأطراف فاقدة الحجة للتخلص من الطرف الآخر، بأي وسيلة كانت، وقد تكون أسباب الاغتيال السياسي عقائدية أو سياسية أو انتقامية، وتريد الأطراف القائمة به حسمَ المواجهة لمصلحتها، غدرًا، بعملية قتل منظمة ومتعمدة تطال عادةً شخصيات محددة مؤثرة، فكريًا أو سياسيًا أو عسكريًا، يؤدي اغتيالها إلى زعزعة صفوف الطرف الآخر وتصدعها.

يختلف الأمر في سورية، حيث إن الاغتيال السياسي قد يطال كل من يقول كلمة حقّ، وكلّ من يُعلن موقفه، مباشرة أو مواربة، ويصرّح بأنه ضد النظام الشمولي، وضد حُكم الفرد، وضد حكم الأسرة، وضد الأجهزة الأمنية الإجرامية، وضد الدولة الأمنية العسكرية، وضد الميليشيات المُنفلتة بأنواعها، الطائفية أو المذهبية، القومية أو الإثنية، الكردية أو العربية، الإسلامية المتشددة والتكفيرية أو حتى المسيحية اليمينية.

خلال السنوات السبع الأخيرة، اغتال النظام السوري، بطرق وحشية، كثيرًا من الناشطين السلميين والإعلاميين والمتظاهرين الذين كانوا يمثلون أمل سورية ومستقبلها، لأنهم رفضوا أن يعيشوا من دون كرامة وحرية، ورفضوا الاستبداد والطغيان والفاشية. كما أنه اغتال المعارضين السياسيين، لأنهم تجرؤوا ووضعوا الإصبع على الجرح، وطالبوا بالديمقراطية والتعددية وحكم القانون.

اغتالت ميليشيات كردية رموزًا فكرية وإنسانية؛ لأنهم رفضوا الحزب الواحد الشمولي الدكتاتوري، ورفضوا عبادة الفرد، وطالبوا بحقوق الأكراد كجزء لا يتجرأ من حقوق كل السوريين.

واغتالت الفصائل الإسلامية المتشددة، وتلك التي تدّعي الاعتدال أيضًا، كثيرًا من الناشطين السلميين والحقوقيين، لأنهم كشفوهم للملأ بأنهم تُجّار دين، وفضحوا المخفي والمستور في عوالمهم الكاذبة، كما اغتالت علمانيين وطلاب حرية، لأنهم أرادوا الدين لله والوطن للجميع، واغتالت إعلاميين لأنهم أثبتوا أن لدى كل الأطراف أمراء حرب، وإن كانوا بلحًى طويلة.

ليس المجرم فقط من ينفّذ الاغتيالات في سورية، بل كل من يخطط لها، وكل من يُفكّر بها، ويختار الأهداف، ويقترح الوسائل، ويُقرر الوقت، وكل من يُحرّض عليها، وكذلك كل من يوفر البيئة الخصبة لتنفيذها والنجاة من العقاب.

تتفاقم خسارة السوريين يومًا وراء يوم، ومما يزيد الجراح عُمقًا تلك الحالُ من الفوضى التي أوصل النظامُ السوري سورية والسوريين إليها، الفوضى التي سخّر لها كل عملائه ومرتزقته، وهيّأ سورية لتكون تربة خصبة للقتلة والمجرمين، ليعيثوا فسادًا وإجرامًا.

لمنع تحوّل سورية إلى تربة خصبة لشذاذ الآفاق، وبغض النظر عن الأدوات التي تُنفّذ عمليات الاغتيال، على السوريين التمسك، أكثر من أي وقت مضى، بالهدف الأساس: تغيير النظام؛ لأن “الثلم الأعوج من الثور الكبير”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق