تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

مستقبل شرق الفرات بعد نشر نقاط المراقبة الأميركية

سعي لتغيير هيكلية (الإدارة الذاتية) تمهيدًا لتبديد مخاوف أنقرة وطمأنة سكان المنطقة

أعلنت الولايات المتحدة، على لسان وزير دفاعها جيم ماتيس، قبل يومين، أنها ستنشر نقاط مراقبة على طول الحدود السورية التركية شرق نهر الفرات، وذلك “لتجنب التوتر بين تركيا ومقاتلي (قوات سوريا الديمقراطية/ قسد) وإتمام الحرب على تنظيم (داعش) والقضاء عليه”، وأوضح ماتيس أن “هذه النقاط ستكون بمعرفة وتعاون وثيق مع تركيا”.

اعتبرت مصادر صحفية عدة أن هذه الخطوة الأميركية دليلٌ على تقدم المفاوضات بينها وبين أنقرة، بشأن مناطق شرق الفرات، وذلك تطبيقًا لتلميحات وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو قبل عدة أيام، إذ أشار إلى أن “فرقًا مشتركة تركية أميركية ستجتمع قريبًا، لتطبيق خريطة طريق مشابهة لتلك المعمول بها في مدينة منبج في مناطق شرق الفرات”.

عبد السلام أحمد

تفتح الخطوة الأميركية باب السؤال مجددًا، عن مستقبل مناطق الحسكة والرقة ودير الزور الواقعة شرق الفرات الخاضعة لسيطرة (قسد) المدعومة من الولايات المتحدة، وذلك مع اقتراب طيّ صفحة المعارك مع تنظيم (داعش) بعد حصره في بقعة جغرافية صغيرة شرقي محافظة دير الزور في منطقة (هجين)، وتصاعد التهديات التركية، منذ مطلع الشهر الحالي، بشنّ عملية عسكرية ضد (وحدات حماية الشعب) شرق الفرات.

تعليقًا على هذه الخطوة الأميركية، قال عبد السلام أحمد، مسؤول العلاقات الخارجية في (حركة المجتمع المدني الديمقراطي/ تف دم) التابعة لـ (الإدارة الذاتية) في حديث إلى (جيرون): “جاء القرار الأميركي بعد التهديدات التركية، باجتياح مناطقنا التي حررناها من الإرهاب، وذلك بالتعاون مع فصائل المعارضة السورية المتعاونة مع الأتراك، وقد أعلن التحالف التزامه حماية هذه المناطق، وتقديم الدعم لـ (قوات سوريا الديمقراطية)، لأن من شأن التدخل التركي أن يُدخل المنطقة في حالة فوضى، ويتسبب في تهجير آلاف السكان”، بحسب وصفه.

من جانب آخر، أكد عبد العزيز الخليفة الصحافي من الحسكة لـ (جيرون) أن “نشر النقاط الأميركية ليس استراتيجيًا إنما هو مرتبط فقط بالحرب على (داعش) لأن (قسد) قامت في الآونة الأخيرة بسحب جزء من قواتها من معارك (داعش) إلى الحدود التركية؛ بعد التهديدات التركية وتقدم التنظيم في ريف دير الزور، واضطر التحالف إلى نشر هذه النقاط من أجل إعادة (قسد) إلى المعركة”.

أضاف الخليفة: “قد يكون نشر هذه النقاط مؤقتًا، ريثما تنتهي الحرب على التنظيم، وبعد ذلك يمكن أن تتم تسوية وضع شرق الفرات بطريقة معينة مع تركيا، حيث من الممكن أن يتم تسليم النقاط الحدودية لطرف ثالث أو طرف مقرب من الأتراك والأميركان”.

بدر ملا رشيد

بينما رأى بدر ملا رشيد الباحث في (مركز عمران للدراسات) في حديث إلى (جيرون) أن “التحالف الدولي يحاول منع حدوث توتر عسكري وأمني في شمال شرق سورية، لما يشكله هذا الأمر من فرصة تفيد تنظيم (داعش) وروسيا والنظام”، مضيفًا: “من المعلوم أن الولايات المتحدة الأميركية تحاول السير في خطوات تؤدي إلى إحداث فصل بين (وحدات حماية الشعب) و(حزب العمال الكُردستاني) بصيغة لا تُشكل تهديدًا على حليفتها تركيا، والقيام بعملية وضع نقاط حدودية، هو رسالة ومشروع في هذا الاتجاه لتركيا بأن منطقة شرق الفرات لن تشكل خطرًا مباشرًا، فالحدود مراقبة من الطرف التركي، وسيتبنى التحالف الدولي مراقبتها من الطرف السوري”.

يتزامن هذا التحرك مع احتجاجات واسعة، شهدتها مدينة الشدادي جنوبي محافظة الحسكة ضد (قسد)، حيث شهدت المدينة، بحسب ما نقلت (شبكة الخابور الإعلامية) قبل يومين، تظاهرات حاشدة طالبت (قسد) بالخروج من المدينة، والتوقف عن ممارسة الانتهاكات بحق السكان، ووقف عمليات الاعتقال وسوق الشباب للتجنيد الإجباري.

ولم تكن احتجاجات الشدادي الأولى ضد (قسد) فقد شهدت مدينة الرقة عدة مرات، خلال العام الحالي، تظاهرات واحتجاجات ضد انتهاكات (قسد) بحق السكان، واجهتها الأخيرة غالبًا بالرصاص واعتقال القائمين عليها، فيما تزداد وتيرة المطالبات من السكان المحليين، في مدن وبلدات شرق الفرات، بضرورة إشراك السكان في إدارة مناطقهم، وإخراج العناصر غير السورية القادمة من جبال قنديل من صفوف (قسد).

عبد العزيز الخليفة

بخصوص هذه الاحتجاجات، قال عبد العزيز الخليفة: “تحدث هذه الاحتجاجات، لأن المدنيين ملّوا سياساتِ (قسد) الشمولية والقريبة من سياسات النظام، ومن الممكن أن تتطور هذه الاحتجاجات أكثر؛ لأن الناس يحاولون أن يستغلوا الحراك الدولي والإقليمي ضد (حزب الاتحاد الديمقراطي) مثلًا، مدينة الرقة وعدد من مناطق الحسكة يسيطر عليها الجناح الكردي في (قسد)، وربما يشكّل هذا ضغطًا على التحالف لتسليم هذه المناطق إلى أهلها”.

في سياق متصل، علمت (جيرون) من مصادر خاصة من الحسكة، أن عدة اجتماعات جرت، خلال الأيام الماضية، بين وفود من التحالف الأميركي و(قسد)، تضم مسؤولين أميركيين وقيادات سياسية وعسكرية من (قسد)، طالبت فيها وفود التحالف بأن تعمل (قسد) على الإسراع في النأي بنفسها عن (حزب العمال الكردستاني) وترتيب عودة المقاتلين الذين جاؤوا من قنديل إلى خارج سورية، وذلك تمهيدًا لإعادة ترتيب نظام الحكم المحلي الذي يدعى (الإدارة الذاتية) ليكون مرضيًا لجميع الأطراف وخاصة الجانب التركي.

في تعليق له على إمكانية تعديل الإداراة الذاتية، قال عبد السلام أحمد : “الإدارات الذاتية والمجالس المدنية، في مناطق شمال وشرق سورية، هي هيئات منتخبة من قبل المواطنين في هذه المناطق، ولم يتم إغلاق الباب أمام أي تشكيل سياسي أو كيان مجتمعي من المشاركة في الإدارة، ما دام ملتزمًا الثوابت الوطنية وخدمة الشعب السوري”.

من جانبه أكد بدر ملا رشيد وجود “محاولات محلية ودولية، في اتجاه تعديل (الإدارة الذاتية) بهدف خلق توازن قوى محلي، ضمن هيكلها بمؤسساتها العسكرية والسياسية والأمنية، حيث تُخرجها من خانة تحكم حزبٍ أو منظومة أيديولوجية واحدة فيها، بمبادئها العابرة للحدود في كثير من أدبياتها، إلى نموذج حكم محلي، لا يشكل تهديدًا لحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، وبشكلٍ يؤدي إلى قبول كافة مكونات المنطقة من عرب وُكرد ومسيحيين بها، على خلاف الواقع الحالي المشير إلى رفض الكثير من المجتمعات أو الأطراف السياسية لحكم (الإدارة الذاتية)”.

يبدو أن الجهود الأميركية في مناطق شرق الفرات تسير باتجاه خلق نوع من الاستقرار، بما يشبه ما طرحه (برودسكي – باراباندي) في مقترحهما الأسبوع الماضي، الذي نشرته مجلة (ناشيونال إنترست) الأميركية، حول خطة الاستقرار الاقتصادي في شرق وشمال سورية، بتفاهم تركي أميركي يبدأ من تطبيق اتفاق منبج.

وهذا ما أشار إليه الباحث بدر ملا رشيد، حيث أكد أن “مناطق نفوذ شبه مُستقرة بدأت الظهور، فسياسة الولايات المتحدة والتحالف الدولي تشير إلى البقاء على المدى المتوسط، على الأقل حاليًا،  بما يسمح أولًا بإنهاء تنظيم (داعش)، وثانيًا إحداث استقرار في المنطقة، يمنع عودة ظهور التنظيم فيها أو السماح له باستغلال المناطق الصحراوية الشاسعة بين سورية والعراق، للتجهيز لهجمات أو محاولة سيطرة على الحواضر السكانية فيها من جديد”.

خريطة توضيحية شرق الفرات _ المصدر syria.liveuamap

أضاف بدر: “تحاول الولايات المتحدة الدفع باتجاه تحقيق الاعتراف بنوع من أنواع حكم محلي أو إدارة ذاتية في المنطقة، ويظهر من زيارات وفود من (الإدارة الذاتية) لدمشق، وجود قبول أميركي بتواجد النظام إداريًا، ورفضه أمنيًا وعسكريًا، بما يتعارض مع الأهداف الأميركية حاليًا بعدم السماح للنظام بالاستفادة من موارد المنطقة، لأن عودته تعني تمدد إيران، وحدوث هذا الأمر لا يتوافق مع الأهداف الأميركية في مواجهة طهران، وعدم السماح لها بالحصول على ممر بري آمن شرق سورية، إلى حين قبول إيران بالمطالب الأميركية، وهو أمرٌ ليس بحكم التحقق حاليًا”.

يذكر أن تركيا تطالب واشنطن بإيقاف الدعم المقدم لـ (وحدات حماية الشعب) التي تشكل المكون الرئيس في (قوات سوريا الديمقراطية) وذلك باعتبارها الجناح السوري لـ (حزب العمال الكردستاني)، وقد أعلنت الإدارة الأميركية، قبل عدة أيام، تقديم جائزة مالية كبيرة لمن يدلي بمعلومات عن ثلاثة قياديين من (حزب العمال الكردستاني) مصنفين على قوائم الإرهاب لديها، ما اعتُبر رسالة إلى تركيا لتأكيد التزام واشنطن بحلفها مع أنقرة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق