هموم ثقافية

موت الرواية

في سجن تدمر، كان حسين يكرر، بعد كل ذروة من ذُرى الخوف، أو كل بعد قسوة عارية تحل علينا: “لا بأس، فهذا يزودنا بما نحكيه لأبنائنا وأحفادنا”، قبل أن يردف: “إذا خرجنا أحياء”. وكان تيسير، من ناحية أخرى، يحرص على استرجاع المواقف الطريفة التي تنشأ على خلفية ذلك الجو الرهيب، ليس فقط لكي نضحك، بل لكي نحفظها من النسيان أيضًا. “يجب أن لا ننسى هذه المواقف، إنها جديرة بأن تُروى”.

من جهتي، كان يساعدني في تمرير التجارب القاسية، أنني كنت أنشغل في سرد الحدث المرير بيني وبين نفسي، كأنني أسرد إلى مستمع افتراضي، كانت هذه الآلية تخفف المرارة؛ إذ تحيلها إلى حكاية هي حكايتي، وتستحضر جمهورًا يتشوق للسماع، ويتضامن ويقاسمني المرارة، فتهون. الراحة التي تسببها هذه الآلية تتناسب مع رضى الراوي عن رسم الحدث باللغة، عن نقل مفعوله النفسي إلى المستمع. ثم تتوسع متعة السرد، فتفتح حقلًا جديدًا لها، لا يرتبط مباشرة بالحدث، تتوسع فتتناول الزمن الفارغ من أحداث بارزة، أو الزمن الفاصل بينها: أصوات الصباح، هندسة المهجع وتقطيعاته، آثار السابقين على الجدران ودلالاتها، انطباعات شركاء التجربة وتحليلاتهم وتوقعاتهم، طرق التحايل على الخطوط الحمر، تقطيع الوقت، الحضور الكثيف لذكرياتك وحياتك الماضية، تأمّل الذات في لحظة الضعف والخوف، الانشغال في تصور ماذا يفعل أحد ما من أصدقائك أو من عائلتك، في هذا الوقت الذي لا يتيح لك شيئًا آخر سوى الخوف والتأمل.. هناك الكثير مما يروى.

تشتد الرغبة في السرد والانتباه إلى التفاصيل جميعًا وامتلاكها باللغة، حين تتصور نفسك عين الخارج على الداخل. تصور أن هناك خارجًا يتلهف لمعرفة الداخل الذي أنت فيه، ولكنه مقطوع الصلة تمامًا عن هذا الداخل الذي أنت تراه وتعيشه وتشكل جزءًا من “بطولته”. تلتقط عينك المشاهد، ثم تحاول، حين يتراجع التوتر، أن تصوغ المشهد في كلمات، وكأنك تحكي لخارج ملهوف لمعرفة ما يجري.

في الرواية ما يعوّض الناجين عن قسوة التجربة. متعة سرد التجربة القاسية أو الخطيرة، بعد أن تصبح ذكرى، تأتي من متعة النظر إلى المحنة الماضية من موقع الناجي الآمن، وتأتي من متعة وضع التجربة في كلمات تناسبها وتنقل ما فيها من انفعالات، من تحويل التجربة إلى حكاية تُروى أحداثها بعين الناجي الذي يحوز سلطة تامة على التجربة، هي سلطة الراوي الذي يروي رواية هو بطلها، ليس بالضرورة لأنه البطل أو مركز التجربة، بل لأنه الراوي، ولأن التجربة تُرى بعينيه وتُسمع بلسانه وترتبط بملامحه وطرائق تعبيره.

حين تنتهي المحنة لا يبقى منها سوى السرد أو الرواية، سوى ما علق في ذاكرة الناجي، لذلك تكون “حياة” المحنة مرهونة لذاكرة الناجي، لكيفية رؤيته للتفاصيل، لموقعه من المحنة، لموقفه منها، وهكذا “تعيش” المحنة وهي تحمل قصورات الراوي وظلال انحيازاته النفسية، أي تحمل بصمة الراوي. إنها تعيش، باستقلال كثير أو قليل عن حقيقتها، إذ لا حقيقة للتجربة سوى “حقيقتها” في رواية الناجي. تمرّ التجربة العامة إلى العموم عبر قنوات خاصة أو شخصية. وحين لا يستطيع الراوي التغلب على جاذبية السرد المجرد، أو حين تغويه سلطته على التجربة التي نجا منها، فإنه قد يدوس على أصابع الحقيقة البليدة، ويزين روايته بما هو أجمل من الحقيقة وأكثر سحرًا.

على هذا، يبدو الموت في التجربة خسارة مضاعفة. خسارة الحق والواجب والمتعة في أن تروي ما جرى معك ولك وحولك، أن تروي من موقعك وبطريقة فهمك وبطبيعة إحساسك ومفرداتك ولغتك. خسارة أن تخلق التجربة بكلماتك، وتعطيها شكل حياتها اللاحقة. خسارة أن تنتقم بالسرد من أبطال الشر في محنتك. خسارة أن تقول ما تبين لك في التجربة، أن تكون مسموعًا ومرجعًا مفيدًا للقادمين إلى تجربة مشابهة بعدك، ففي روايتك فائدة للقادمين، رغم “شخصية” السرد التي لا محيد عنها. الموت في التجربة، يضيف هذه الخسائر مجتمعة إلى خسارة الحياة. ما هو أقسى من الموت أن تموت روايتك معك.

* اللوحة للفنانة ريما سلمون

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق